وَإِذَا أَخَذْتَ بِجَانِبِ المِزَاجِ الخَبِيثِ يَكُونُ قَتَلَ شَرٌّ لِشَرٍّ، وَبَقِيَ الحَقُّ يُحَقُّ وَتِلْكَ مِحْنَةٌ عَلَىٰ الخَلْقِ تَدُقُّ فَخَاطَبَ الحَقُّ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾(1).
قُلْنَا سَابِقًا عِنْدَ مُفَارَقَةِ عَالَمِ المِزَاجِ الخَبِيثِ لِمَعْقُولِهِ فِي النَّفْسِ يَنْفَكُّ مِنَ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ وَيَهْبِطُ إِلَىٰ صُوَرِ المُسُوخِيَّةِ مُخَلَّدًا فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْض، فَرَدَّ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ وَخَزَاهُ عَلَىٰ الحَقِّ كَمَا وَرَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾(2).
فَإِعْطَاؤُهُ النَّظْرَةَ: اسْتِمْرَارِيَّةُ وُجُودِ المِزَاجِ الخَبِيثِ مَعَ الأَنْفُسِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُ مَعْقُولُ النَّفْسِ مِنْ صُورَتِهِ البَشَرِيَّةِ عَائِدًا لِمَا مِنْهُ بَدَا فَكَرَّرَ إِبْلِيسُ القَوْلَ كَمَا وَرَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾(3)، فَكَوْنَ إِبْلِيسَ اسْتَمَرَّ بِالنَّظْرَةِ مَعَ الأَنْفُسِ قَامَتْ عِلَّتُهُ فِي مَشْهَدِ النَّفْسِ فِي حِسِّ عَقْلِهَا وَهُوَ صِرَاطُ مَعْقُولِ النَّفْسِ، وَالقُعُودُ فِي إِقَامَةِ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فِي مَشْهَدِ العَقْلِ.
وَتَابَعَ إِبْلِيسُ قَوْلَهُ كَمَا وَرَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾(4) وَهُنَا تَصَوُّرُ أَفْعَالِهِ وَأَعْمَالِهِ فِي النَّفْسِ وَلَمْ يَذْكُرْ فَوْقَهُمْ لِأَنَّ الفَوْقَ مَشْهَدُ العَقْلِ وَهُوَ مَوْضِعُ الإِشْرَاقِ عَلَىٰ مَعْقُولِ النَّفْسِ.




