لِذَلِكَ جَازَ لَنَا أَنْ نَقُولَ أَنَّ الأَوَّلَ هُوَ الآخِرُ وَالبَاطِنَ هُوَ الظَّاهِرُ، وَأَنَّ الإِلَٰهَ المُتَقَدِّمَ هُوَ الإِلَٰهُ المُتَأَخِّرُ لَا غَيْرِيَّةَ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ، فَجَازَ لَنَا عِنْدَ ذَلِكَ هَذَا القَوْلُ، لَاحِظْ قَوْلَ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَلَيْه السَلَامُ:
"عِنْدَمَا تُقِيمُ أَنْتَ عَالَمَ صِفَاتٍ وَعَالَمَ كَثْرَةٍ، فَأَصْبَحَ هَذَا المُتَأَخِّرُ غَيْرَ ذَلِكَ المُتَقَدِّمِ، كَقَوْلِنَا عَلِيٌّ فَأَنْتَ أَقَمْتَ اِسْمِيَّةً لَهُ، فَعَلِيٌّ هُوَ الاِسْمُ الَّذِي يُلَازِمُ الذَّاتَ، فَإِذَا قُلْتَ عَلِيٌّ الذَّاتُ صَدَقْتَ وَإِذَا قُلْتَ الذَّاتُ عَلِيٌّ صَدَقْتَ. أَمَّا عِنْدَمَا تَقُولُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ هَذَا "الآخِرُ" المُتَأَخِّرُ بَيْنَ الخَلْقِ لَيْسَ غَيْرَ عَلِيٍّ مِنْ حَيْثُ الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ، وَلَكِنْ هُوَ غَيْرُ عَلِيٍّ مِنْ حَيْثُ عَالَمِ الأَنْسَابِ وَالإِضَافَاتِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ فَالغَيْرِيَّةُ مِنْ حَيْثُ الخَلْقِ لَا مِنْ حَيْثُ الخَالِق"ِ.
فَإِذَا نَسَبْتَ هَذِهِ الصُّورَةَ لَكَ بِصِفَاتٍ وَنُعُوتٍ عَلَىٰ مِثَالِكَ، فَأَنْتَ أَقَمْتَ غَيْرَ الحَقِّ فِي الحَقِّ، وَإِذَا جَرَّدْتَ حَالَتَكَ عَنِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ بِنَفْيِ نُعُوتِكَ وَأَسْمَائِكَ وَصِفَاتِكَ مَا بَقِيَ إِلَّا الحَقُّ، لِذَلِكَ نَقُولُ وَنُؤَكِّدُ عَلَىٰ مَا قَالَهُ فِي الفَتْحِ الأَوَّلِ بِقَوْلِهِ:
"يَا مَنْ جَعَلْتَ لِكُلِّ اِسْمٍ صِفَةً"، فَالِاسْمُ سَابِقٌ لِعَالَمِ الصِّفَاتِ بِرَأْيِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ نضَّر الله وجههُ، فَهَذَا الاِسْمُ إِنْ قُلْتَ الاِسْمَ الأَعْظَمَ، إِنْ قُلْتَ الحِجَابَ الأَكْرَمَ، إِنْ قُلْتَ الأَنْزَعَ، إِنْ قُلْتَ عَلِيَّاً مَهْمَا سَمَّيْتَهُ جَازَ لَكَ، كَقَوْلِكَ اليَوْمُ الأَوَّلُ، لِذَلِكَ وَرَدَ عِنْدَنَا بِالقَوْلِ: " بِأَنَّ الاِسْمَ المُشْتَرَكَ بَيْنَ عَلِيٍّ وَبَيْنَ الاِسْمِ الأَعْظَمِ هُوَ اللَّهُ"، فَإِنْ قُلْتَ هَذَا اللَّهُ مَعْنًىٰ صَدَقْتَ، وَإِنْ قُلْتَ هَذَا اللَّهُ اِسْمٌ صَدَقْتَ فَهُوَ اليَوْمُ الأَوَّلُ، فَهَذَا المَشْهَدُ إِنْ أَشَرْتَ بِهِ لِلْمَعْنَىٰ أَصَبْتَ وَإِنْ أَشَرْتَ إِلَىٰ الاِسْمِ أَصَبْتَ فَهُوَ الاِسْمُ الجَامِعُ، وَهُوَ البَرْزَخِيَّةُ القَائِمَةُ بَيْنَ عَالَمِ الحَقِّ وَمَا بَيْنَ عَالَمِ الخَلْقِ، وَهُوَ الرُّتْبَةُ الوُسْطَىٰ الَّذِي هُوَ اللَّهُ بَيْنَ الإِلَٰهِ وَبَيْنَ الرَّبِّ وَبَيْنَ عَالَمِ الأُلُوهِيَّةِ وَعَالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ، فَكَانَ اللَّهُ، فَاللَّهُ هُوَ البَرْزَخِيَّةُ بَيْنَ عَالَمِ الإِلَٰهِيَّةِ وَبَيْنَ عَالَمِ الرُّبُوبِيَّةِ.




