السُّؤَالُ مِئَةٌ وَثَمانيةٌ وَخَمْسُونْ
﴿كهيعص ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ (1)؟
الجَوَابُ: الحُرُوفُ المُتَقَطِّعَةُ فِي أَوَّلِ القُرْآنِ أَيْنَمَا وَرَدَتْ فَمَا هِيَ إِلَّا مَشَاهِدُ العَقْلِ الكُلِّيِّ، وَالعَقْلُ الكُلِّيُّ لَا طَرِيقَ لِعَبْدٍ إِلَيْهِ، فَلِذَلِكَ سَمَّوْهَا مَعَاجِزَ القُرْآنِ أَوْ بَلَاغَتَهُ أَوْ عَجْزَ الخَلْقِ. أَمَّا هَذِهِ الأَحْرُفُ فَهِيَ مَشَاهِدُ العَقْلِ الكُلِّيِّ لِلْعَقْلِ الأَوَّلِ، لِأَنَّنَا مَا زِلْنَا نُعَبِّرُ عَنْ بَدْءِ الحَرَكَةِ الكَامِنَةِ، الجَوْهَرِ الكَامِنِ، وَنَحْنُ أَيْنَ نَشْهَدُ حَرَكَتَهُ لِعَالَمِ الخَلْقِ؟ نَشْهَدُهَا فِي الرَّعْدِ وَالبَرْقِ، فَهَذِهِ حَالَاتٌ اِسْمُهَا حَرَكَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ فِي عَالَمِ الأَنْزَعِ الخَالِي مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ.
لِذَلِكَ قُلْنَا هُنَا الخَمْسُ هِيَ مَظَاهِرُ العَقْلِ الكُلِّيِّ الَّتِي بَدَتْ وَظَهَرَتْ لِلاِسْمِ بِالمَشِيئَةِ وَالفِطْرَةِ وَالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ وَاللُّطْفِ الخَفِيِّ، لِذَلِكَ هَذِهِ الحُرُوفُ الخَمْسُ هِيَ حَقَائِقُ أَوْ هُمْ مَظْهَرِي العِلْمِ. فَعِنْدَمَا نَقُولُ عِلْمًا فَهُنَاكَ عَلِيمٌ، وَعِنْدَمَا نَقُولُ قُدْرَةً فَهُنَاكَ قَدِيرٌ، وَعِنْدَمَا نَقُولُ مَشِيئَةً فَهُنَاكَ مَشِيئٌ، وَعِنْدَمَا نَقُولُ إِرَادَةً فَهُنَاكَ مُرِيدٌ، فَالخَمْسَةُ الأَحْرُفُ كَقَوْلِنَا المُرِيدُ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَنَا طَرِيقٌ إِلَّا لِعَالَمِ العِلْمِ وَالمَشِيئَةِ وَالفِطْرَةِ عَالَمِ العَقْلِ الأَوَّلِ. فَتِلْكَ مَشَاهِدُ العَقْلِ الكُلِّيِّ لِلْعَقْلِ الأَوَّلِ وَلَيْسَ لَنَا طَرِيقٌ لَهَا فَأَصْبَحَتْ غَيْبًا لَنَا، أَيْ غَيْب مَعْرِفَتُهَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَعْرِفَ مَا هِيَ هَذِهِ الأَحْرُفُ، فَبَقِيَتْ مُبْهَمَةً لِإِبْهَامِ العَقْلِ الكُلِّيِّ عَنْ عَالَمِ الخَلْقِ، "وهُنَا نَتَكَلَّمُ عَنْ هَيْئَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَمْ نَنْتَقِلْ بَعْدُ".




