فَرَأَىٰ صُورَةَ نَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهِيَ الَّتِي خَاوَتْهُ لِأَنَّهَا نَفْسُهُ لَا سِوَاهَا فَنَدِمَ عَلَىٰ قَتْلِهَا لِأَنَّ الشَّرَّ لَا يَنْدَمُ عَلَىٰ قَتْلِ الخَيْرِ وَلَوْ نَدِمَ لَانْتَفَىٰ شَرُّهُ، وَإِنَّمَا يَنْدَمُ عَلَىٰ مُفَارَقَةِ عَنَاصِرِهِ الخَبِيثَةِ وَخَسَارَتُهُ بِالقَتْلِ مُفَارَقَةُ مَعْقُولِ النَّفْسِ لَهُ فَيَنْفَكُّ مِنَ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ الَّتِي هِيَ جَنَّتُهُ وَيَنْتَقِلُ إِلَىٰ المُسُوخِيَّةِ فَتَقَعُ خَسَارَتُهُ. وَحَمَلَ صُورَتَهُ وَأَصْبَحَ يَمْشِي بِهَا مُتَحَسِّرًا عَلَيْهَا وَلَا يَدْرِي مَاذَا يَفْعَلُ.
وَكَمَا قَالَ الفَيْلَسُوفُ الشَّيْخُ يُوسُفُ الرَّدَّادُ قَدَّسَهُ اللَّهُ: "فَلَمَّا عَزَمَ قَابِيلُ عَلَىٰ قَتْلِ هَابِيلَ صُوِّرَ لَهُ صُورَةٌ مِنْ نَفْسِ نَفْسِهِ المُظْلِمَةِ الَّتِي خُلِقَ مِنْهَا، وَتُخُيِّلَ لَهُ أَنَّهَا صُورَةُ هَابِيلَ، فَقَتَلَهَا وَحَمَلَهَا".
وَرَحْمَةً مِنْ جَانِبِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ لِمَعْقُولِ الأَنْفُسِ أَقَامَ لَهَا صُورَتَانِ عَلَىٰ مِثَالِهَا تمثَّلَتْهَا بِصُورَةِ غُرَابَيْنِ أَسْوَدَيْنِ وَجَرَىٰ بَيْنَهُمَا مِثْلُ مَا جَرَىٰ فِي حَالَةِ النَّفْسِ فَوَثَبَ أَحَدُهُمَا عَلَىٰ الآخَرِ فَقَتَلَهُ وَحَمَلَهُ وَنَقَلَهُ مَسَافَةً وَجِيزَةً فَوَضَعَهُ عِنْه عَلَىٰ الأَرْضِ وَحَفَرَ حُفْرَةً فِي الأَرْضِ، ثُمَّ وَضَعَ أَخَاهُ فِيهِا عَلَىٰ جَانِبِهِ الأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلًا القِبْلَةَ بِوَجْهِهِ وَرَأْسُهُ بِاتِّجَاهِ مَغْرِبِ الشَّمْسِ وَرِجْلَيْهِ بِاتِّجَاهِ مَشْرِقِهَا، وَسَتَرَ أَخَاهُ بِالتُّرَابِ الَّذِي حَفَرَهُ وَرَفَعَ التُّرَابَ حَتَّىٰ مَيَّزَ القَبْرَ عَنْ حَوْلِهِ مِنَ الأَرْضِ ثُمَّ ذَهَبَ وَأَتَىٰ عَلَىٰ جَنَاحَيهِ بِالمَاءِ وَرَشَّ المَاءَ عَلَىٰ قَبْرِهِ، فَنَظَرَ إِبْلِيسُ وَقَالَ كَمَا وَرَدَ بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾(1) فَفَعَلَ بِنَفْسِهِ كَمَا فَعَلَ الغُرَابُ بِأَخِيهِ.




