مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الطَّرِيقَةُ الْعَيْنِيَّةُ فِي مَشَاهِدِ الصُّورَةِ الْمَرْئِيَّةِ - جَابِرُ مَحْمُودُ عِيسَى

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 16 من 233

فَقَبِلَ إِبْلِيسُ بِذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ إِنَّ النَّارَ مَاهِيَّتُهُ فَقَرَّبَ مَعْقُولُ النَّفْسِ "عَقْلَهُ" إِلَىٰ النَّارِ فَقُبِلَتْ مِنْهُ قُرْبَانه كَوْنَ النَّارِ هِيَ العَقْلُ الكُلِّيُّ وَعَنْهَا بَدَا العَقْلُ، فَقَبُولُهُ القُرْبَانَ إِلَيْهِ عَادَ وَانْتَهَىٰ كَوْنَهُ مِنْهُ بَدَا.

وَالذَّبْحُ لِجَانِبِ المَعْقُولِ بِذَبْحِ صِفَةٍ وَفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ المِزَاجِ الخَبِيثِ المُتَرَائِي لِلنَّفْسِ فِي مَشْهَدِ حِسِّ العَقْلِ فَتَكُونُ حَقَّقَتْ زِيَادَةَ إِشْرَاقِ العَقْلِ عَلَىٰ مَعْقُولِهَا وَأَضْعَفَتْ بِهَا أَفْعَالَ وَأَعْمَالَ المِزَاجِ الخَبِيثِ، لِأَنَّ الذَّبْحَ هُوَ تَحْوِيلُ صُورَةٍ مِنْ صُوَرِ العِلَلِ القَائِمَةِ بِالنَّفْسِ مِنْ مِزَاجِهَا الخَبِيثِ وَتَحْوِيلُهَا إِلَىٰ فِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ العَقْلِ فَيُرَافِقُ ذَلِكَ ذَبْحًا وَتَبَدُّلًا فِي صُورَةِ المُوَاجَهَةِ.

وَأَمَّا المِزَاجُ الخَبِيثُ تَقَرَّبَ مِنْ مَشْهَدِ العَقْلِ الكُلِّيِّ بِقُرْبَانِهِ وَكَانَ ذَاتَهُ الكَدِرَةَ المُظْلِمَةَ فَلَمْ يُقْبَلْ قُرْبَانُهُ لِأَنَّ قُرْبَانَهُ ذَاتُهُ المُنْكِرَةُ فَلَمْ تُقْبَلْ وَأُعِيدَتْ إِلَيْهِ لِأَنَّهَا مِنْهَ بَدَتْ وَإِلَيْهِ عَادَتْ وَانْتَهَتْ.

وَثَبَتَ بِذَلِكَ حُجَّةُ مَعْقُولِ النَّفْسِ عَلَىٰ مِزَاجِهِ الخَبِيثِ فَتَحَرَّكَتِ القُوَّةُ الشَّيْطَانِيَّةُ بِاسْتِطَاعَتِهَا الخَبِيثَةِ مِنْ مَعْقُولِ النَّفْسِ حَسَدًا مِنْهَا لِقَبُولِ قُرْبَانِهِ وَشَرَعَتْ بِقَتْلِهِ مُهَدِّدَةً، فَخَاطَبَ مَعْقُولُ النَّفْسِ مِزَاجَهَا الخَبِيثَ بِعَدَمِ مُمَاثَلَتِهِ بِفِعْلِ القَتْلِ حِفَاظًا عَلَىٰ صُورَةِ المُوَاجَهَةِ لِتَتَلَقَّىٰ النَّفْسُ أَوَامِرَ العَقْلِ وَنَوَاهِيهِ، وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ العَقْلِ بِإِطْلَاقِ المِزَاجِ الخَبِيثِ بِالتَّكْوِينِ مَعَ النَّفْسِ حَتَّىٰ تُكْمِلَ النَّفْسُ مَعْقُولَهَا وَتَقْتُلَ مَحْسُوسَهَا لِتَعُودَ إِلَىٰ مَا مِنْهُ بَدَتْ.

فَعَلِمَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ ذَلِكَ فَاتَّجَهَ إِلَىٰ صُورَةِ المُوَاجَهَةِ لِيَقْتُلَهَا فَلَمَّا وَاجَهَهَا ارْتَسَمَتْ صُورَةُ حَسَدِهِ وَظُلْمَتِهِ فِيهَا فَأَقْدَمَ عَلَىٰ قَتْلِ الصُّورَة ظَنًّا مِنْهُ إِنَّهَا صُورَةُ العَقْلِ فَقَتَلَهَا، فَوَقَعَ القَتْلُ عَلَىٰ ذَاتِهِ الكَدِرَةِ لِأَنَّهَا هي المُرْتَسِمَةُ فِي مَشْهَدِ العَقْلِ فَأَصْبَحَ هُوَ القَاتِلَ وَالمَقْتُولَ فَقِيلَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَتَلَ الحَقَّ جَلَّ وَعَلَا وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾(1).

الهوامش

1سورةالمائدة – الآية 30
الصفحة 16 من 233