و"الْعَصَا " قَالَ فِيهَا الشَّيْخُ الْجَلِيلُ حُسَيْنُ أَحْمَدَ قَدَّسَه اللَّهُ عَنِ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَصْلُهَا ثَابِت وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ بَاسِقٌ، قَالَ: "وَتَوَكَّأَ مُوسَىٰ عَلَىٰ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِهَا، فَعَلِمْنَا بِذَلِكَ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنِ انْبِثَاقٍ"، وَسَيْرِ هَذَا اللَّهِ، هَذَا الْعَقْلِ، هَذَا الْجَوْهَرِ فِي عَالَمِ الْخَلْقِ فَهَذِهِ هِيَ الْعَصَا، أَيْ بِمَعْنَىٰ هُوَ الظِّلُّ السَّارِي فِي عَالَمِ الصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ.
فَالْعَصَا كَانَ لَهَا مَعَ هَذَا النَّبِيِّ "ثَلَاثُ حَالَاتٍ" وَحَالَتُهَا كَمَا قُلْنَا سَابِقًا مَوْقِعُ التَّثْلِيثِ كَالظُّلُمَاتِ الثَّلَاثِ، وَالْأَحْجَارِ الثَّلَاثَة، وَالْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ وَقِسْ عَلَىٰ ذَلِكَ، وَعِنْدَمَا يَقُولُ:
﴿هِيَ عَصاي أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾: أَيْ بِمَعْنَىٰ هِيَ مَوْضِعُ نَضْرَتِهِ بَيْنَ الْخَلْقِ،
﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي﴾: وَهِيَ السَّائِرَةُ فِي مَسِيرِهَا، فَغَنَمُهُ: مَوَاضِعُ حَمْدِ سَيْرِ هَذِهِ الْعَصَا أَوْ ذَلِكَ الْجَوْهَرِ فِي عَالَمِ الصِّفَاتِ،
﴿ومَآرِبُ أُخْرَىٰ﴾: هُوَ انْعِقَادُ هَذِهِ الْعَصَا كَمِثَالِهِ شَكْلًا فِي الْوُجودِ فَتَكُونُ الْعَصَا هِيَ الْقُدْرَةَ فِي الْحَالَاتِ الثَّلَاثِ.
السُّؤَالُ مِئَةٌ وواحِدٌٌ
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾(1)؟
الْجَوَابُ: أَوَّلًا "إِلْقَاءُ الْعَصَا": لِثُبُوتِ الْحُجَّةِ يَعْنِي أَنْتَ تُلْقِي بِشَيْءٍ لِإِثْبَاتِ حُجَّتِكَ، فَإِلْقَاءُ الْعَصَا: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَمَثُّلِهَا شَكْلًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ أُعْقَبَ مُوسَىٰ وَلَمْ يَرْجِعْ: أَيْ عَادَ إِلَىٰ مَا مِنْهُ بَدَأَ، وَالْجَانُّ: هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَخَيُّلٍ شَكْلًا، وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ غَيْبٌ وَلَيْسَ بِلَحْمٍ وَدَمٍ فَهُوَ لَيْسَ كَالْخَلْقِ مِنْ حَيْثُ الشَّكْلِ الَّذِي تَرَاءَىٰ بِهِ لِذَلِكَ حَمَلَ صِفةَ الْجَانِّ: أَيْ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ كَالْخَلْقِ وَلَيْسَ مِنْ عَالَمِ الْحَقِّ، فَنُسِبَ ذَلِكَ الشَّكْلَ أَيْ تِلْكَ الْعَصَا بِانْعِقَادِهَا إِلَىٰ الْجَانِّ.




