السُّؤَالُ الرَّابِعُ وَالتِّسْعُون
﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَىٰ الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾(1).
فَمَا الْأُمَّةُ؟ وَقَدْ شُخِّصَتْ بِأَهْلِ الْمَرَاتِبِ؟ وَالِإمْرَأَتَانِ خَضْرَاءُ وَصَفْرَاءُ؟ وَمَا سِقَايَتُهُ لَهُمَا؟ وَلِمَاذَا آوَىٰ إِلَىٰ الظِّلِّ؟ وَشُخِّصَتِ الْمَرْأَتَانِ بِالْعَيْنِيَّةِ، فَقَالَ جَمْعُهُنَّ بَلَاقِعُ؟
الْجَوَابُ: تُنْسَبُ تِلْكَ الصِّفَةُ أَوْ ذَلِكَ الشَّكْلُ لِجَانِبِ حَمْدٍ أَوْ لِجَانِبِ ذَمٍّ، فَقُلْنَا أَنَّهُ بِالْعَوْدَةِ عَلَىٰ بَدْءٍ أَيْ عِنْدَمَا يَعُودُ إِلَىٰ ذَاتِهِ يَعُودُ إِلَىٰ بَدْءِ حَرَكَتِهِ وَإِلَّا انْتَفَىٰ وُجُودُ الْحَقِّ مِنْ بَيْنِ الْخَلْقِ، فَعَوْدَةُ الْحَرَكَةِ ثَانِيَةً تَمَثَّلَتْ هُنَا بِالْقَصِّ الْقُرْآنِيِّ بِامْرَأَتَيْنِ، وَقُلْنَا الْمَرْأَةُ كَالنَّفْسِ لِلْعَقْلِ وَالرَّجُلُ كَالْعَقْل، أَيْ بِمَعْنَىٰ أَنَّ النَّفْسَ: هِيَ مِرْآةُ هَذَا الْعَقْلِ أَوْ هَذَا الرَّجُلِ، فَتَمَثَّلَتْ بِحَالَيْنِ اثْنَيْنِ فَهَذَا الِاقْتِرَان وَالْمَرْأَتَانِ اللَّتَانِ بَانَتَا: لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ جَمْعُهُنَّ بَلَاقِعُ، فَالْبَلَاقِعُ: هِيَ الْأَرْضُ الْخَاوِيَةُ الَّتِي لَا حَيَاةَ بِهَا. أَيِ الَّتِي انْتَفَتْ مِنْهَا عَالَمُ الْأَشْكَالِ وَالصُّوَرِ، فَيَكُونَانِ هُنَا عِبَارَةً عَنْ جَوْهَرِ هَذَا الْوُجودِ أَيْ هَذَا الْعَقْلِ وَحَقِيقَةِ سَيْرِهِ بَيْنَ عَالَمِ الْخَلْقِ، فَإِذَا نُسِبَ بُرُوزَ الْجَوْهَرِ فِي عَالَمِ الْخَلْقِ مَعَ أَصْلِهِ الْعَقْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي انْفَرَدَ عَنِ الْعَقْلِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْمَرْأَتَانِ فِي مَوْضِعِ الْحَمْدِ.




