السُّؤَالُ الثَّالِثُ وَالتِّسْعُون
﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾(1).
مَاذَا قَصَدَ مَاءَ مَدْيَنَ؟
الْجَوَابُ، قُلْنَا دَوْمًا أَنَّ صِفَةَ الْمَاءِ: هُوَ مَشْهَدُ الْإِطْلَاقِ، مَشْهَدُ الْعَقلِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ اسْمٌ وَلَيْسَ لَهُ صِفَةٌ وَلَا رَسْمٌ، فَالْمَاءُ لَيْسَ لَهُ صِفَةٌ وَلَيْسَ لَهُ شَكْلٌ إِلَّا بَعْدَ جَرَيَانِهِ فِي عَالَمِ الْأَشْكَالِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ، فَأَيُّ شَكْلٍ يَجْرِي بِهِ يُعْطَىٰ لَوْنَ ذَلِكَ الشَّكْلِ، كَذَلِكَ هَذَا الْجَوْهَرُ الْحَقُّ: الظِّلُّ السَّارِي يُعْطِيكَ فِي كُلِّ يَوْمٍ صِفَةَ هَذِهِ الصِّفَةِ الْمَشْهُودَةِ بِذَلِكَ الْيَوْمِ فَيُنْسَبُ إِلَيْهِ.
مَا حَالَةُ الْمَاءِ وَالْحَرَكَةِ وَالْمَوْجِ وَالزَّبَدِ؟
الْجَوَابُ: هِيَ حَالَاتُ النَّاظِرِينَ إِلَىٰ الْمَاءِ عَلَىٰ قَدْرِ أَفْهَامِهِمْ وَعُلُومِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ، فَلِعَبْدٍ يَكُونُ مَاءً، وَلِآخَرَ يَكُونُ حَرَكَةً، ولْآخَرَ مَوْجًا، وَلِغَيْرِهِمْ يَكُونُ زَبَداً، كَقَوْلِنَا: "لِلْمُؤْمِنِ الْعَقْلُ لَمْ يَتَغَيَّرْ لَمْ يَتَبَدَّلْ"، كَقَوْلِنَا: "سُبْحَانَ مَنْ لَمْ يَزَلْ عَنْ كِيَانِهِ"، فَإِذًا لَيْسَ لَهُ تَبْدِيلٌ وَلَا تَغْيِيرٌ، وَلَيْسَ لَهُ صُورَةٌ أَوْ شَكْلٌ وَلَا رَسْمٌ إِنَّمَا هُوَ أَنْزَعُ أَيْ هَذَا الْعَقْلُ.
وَعِنْدَ قَوْمٍ حَرَكَةٌ: أَيْ إِظْهَارُ الْقُوَّةِ وَالْمَقْدِرَةِ بِالْفِعْلِ لِلْجَوْهَرِ، وَعِنْدَ قَوْمٍ مَوْجٌ أَيِ" الْجَوْهَرُ" أَوِ" الظِّلُّ السَّارِي" بَيْنَ عَالَمِ الْخَلْقِ بِالْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ فَسُمِّيَ مَوْجٌ، وَالزَّبَدُ: هُوَثُبُوت الصِّفَةِ وَالشَّكْلِ وَالْقَدْرِ وَالْكَيْفِ وَالْأَيْنِ وَالتَّبْدِيلِ وَالتَّحْوِيلِ بَدَلًا مِنَ الْجَوْهَرِ فَيَكُونُ زَبَدًا زَائِلًا بَاطِلًا فَهَذِهِ عَلَىٰ الْخَلْقِ فِي وُجُودِ الْحَقِّ تَعَالَىٰ. قَوْلُهُ تَعَالَىٰ: ﴿تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ﴾ أَيْ عَوْدَةُ هَذَا الْجَوْهَرِ إِلَىٰ مَا مِنْهُ بَدَا أَيْ إِلَىٰ أَصْلِهِ.




