وَقَالَ تَعَالَىٰ مُخَاطِبًا الْأَنْفُسِ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(1)فَالخَلِيفَةُ مَعْقُولُ النَّفْسِ وَالأَرْضُ هِيَ النَّفْسُ، قَالَتِ المَلَائِكَةُ -وَهُمْ لِسَانُ حَالِ المَعْقُولِ- بِقَوْلِهِ تَعَالَىٰ: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(2) وَهُنَا إِشَارَتُهُمْ إِلَىٰ وُجُودِ المِزَاجِ الخَبِيثِ مَعَهُمْ فِي النَّفْسِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرُ الفَسَادِ وَسَفْكِ الدِّمَاءِ وَالجُحُودِ وَالإِنْكَارِ.
وَخَاطَبَ الحَقُّ العَقْلَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(3).
فَآدَمُ هُوَ العَقْلُ وَزَوْجُهُ مَعْقُولُ النَّفْسِ وَالجَنَّةُ أَوَامِرُ الحَقِّ وَمَعْرِفَتُهُ، وَالأَكْلُ غِذَاءُ مَعْقُولِ النَّفْسِ فِي مَشْهَدِ الحَقِّ مِنْ قَبُولِ الأَوَامِرِ وَالِانْتِهَاءِ عَنِ النَّوَاهِي، وَالشَّجَرَةُ المَنْهِيُّ عَنْهَا هِيَ إِبْلِيسُ وَجُنُودُهُ المُمَثَّلَةُ بِالجُحُودِ وَالإِنْكَارِ وَالمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ تَعْلِيمًا لِلنَّفْسِ.
وَوَاجَهَتِ النَّفْسُ العَقْلَ فَارْتَسَمَ لِجَانِبِ مَعْقُولِهَا المَعَاجِزُ وَالقُدُرُ وَلِجَانِبِ مِزَاجِهَا الخَبِيثِ التَّخَاطِيطُ وَالصُّوَرُ فَانْطَبَعَتْ حَالَةُ النَّفْسِ بِكَمَالِهَا فِي مُوَاجَهَتِهَا، وَمِنْ أَثَرِ القُوَّةِ الشَّيْطَانِيَّةِ وَحَرَكَتِهَا فِي النَّفْسِ وَحُصُولِ الشَّكِّ وَهُوَ الأَكْلُ مِنَ الشَّجَرَةِ الخَبِيثَةِ ظَهَرَ سُوءُ النَّفْسِ فِي مَشْهَدِهَا وَأُقِيمَتْ صِفَةُ فِعْلِهَا عَلَيْهَا وَغَفَلَتِ النَّفْسُ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ بِعَدَمِ الأَكْلِ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَارْتَسَمَتِ الأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ فِي مَشْهَدِ الحَقِّ سُبْحَانَهُ وَقَالَ تَعَالَىٰ: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾(4).




