أدْخَلُوهُ عَلى عَدُوِّنا ، أرادُوا بذلِكَ رِضاكَ ، فَكافِئْهُمْ عَنّا بالرِّضْوانِ ، واكْلأهُم (1) باللَّيلِ وَالنَّهارِ ، واخْلُفْ عَلىُ أهالِيهم وأولادِهِمُ الَّذين خُلِّفوا بأحْسَنِ الخَلَفِ وأصحبهم ، وَأكْفِهِمْ شَرَّ كلِّ جَبّارٍ عَنيدٍ؛ وَكُلّ ضَعيفٍ مِنْ خَلْقِكَ وَشَديدٍ ، وَشَرَّ شَياطِينِ الإنْسِ وَالجِنِّ ، وَأعْطِهِم أفْضَلَ ما أمَّلُوا مِنْكَ في غُرْبَتِهم عَنْ أوْطانِهِم ، وَما آثَرُونا (2) بِهِ عَلى أبْنائهم وأهاليهم وقَراباتِهم ،
اللّهُمَّ إنَّ أعْداءَنا عابُوا عَلَيهم بخُروجهم ، فَلم يَنْهِهم ذلِكَ عَنِ الشُّخوصِ إلينا خِلافاً مِنْهم (3) عَلى مَنْ خالَفَنا ، فارْحَم تِلْكَ الْوُجُوهَ الَّتي غَيَّرتها الشَّمْسُ ، وَارْحَم تِلكَ الخدُودَ الَّتي تَتَقَلّبُ على حُفْرَةِ أبي عَبدِاللهِ الحسينِ عليه السّلام ، وَارْحَم تِلكَ الأعْيُنَ الَّتي جَرَتْ دُمُوعُها رَحمةً لَنا ، وارْحَم تِلْكَ الْقُلُوبَ الَّتي جَزَعَتْ واحْتَرقَتْ لَنا ، وارْحَم تِلكَ الصَّرْخَةَ الَّتي كانَتْ لَنا ، اللّهمَّ إني اسْتَودِعُكَ تِلْكَ الأبْدانَ وَتِلكَ الأنفُسَ حتّى تَرْويهمْ عَلى الحَوضِ يَومَ العَطَشِ [الأكبر] » :
فما زال يدعو عليه السّلام وهو ساجدٌ بهذا الدُّعاء ، فلمّا انصرف قلت : جُعِلتُ فِداك لو أنَّ هذا الَّذي سَمعتُ منك كان لِمن لا يَعرفُ اللهَ عزَّوجَلَّ لَظننتُ أنَّ النّار لا تطعم منه شَيئاً أبداً!! والله لقد تمنَّيتُ أنّي كنتُ زُرْتُه ولم أحُجَّ ، فقال لي : ما أقربك منه؛ فما الَّذي يمنعك مِن زيارته؟ ثمَّ قال : يا معاويةُ لَم تدع ذلك ، قلت : جُعلتُ فِداك لَم أرَ (4) أنَّ الأمر يبلغ هذا كلّه؟ فقال : يا معاوية [و] مَن يدعو لزُوَّاره في السَّماء أكثر ممّن يدعو لهم في الأرض ».
وحدَّثني محمّد بن عبدالله بن جعفر الحِميريّ ، عن أبيه ، عن عليِّ بن محمّد بن سالم ، عن عبدالله بن حمّاد البصريّ ، عن عبدالله بن عبدالرَّحمن الاُصمّ ، عن معاوية بن وَهْب قال : استأذنت على أبي عبدالله عليه السّلام ، وذكر مثله.
__________________
1 أي احفظهم. وفي اللّغة : « كلاه الله : حفظه وحرسه ، يقال : اذهب في كلاءة الله ».
2 آثره إيثاراً : اختاره واكرمه ، وفضّله ، وكذا بكذا : أتبعه.
3 في بعض النّسخ : « خلافاً عليهم ، فارحم تلك الوجوه ».
4 في بعض النّسخ : « لم أدر ».




