مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

تَفْسِيرُ الْعَيَّاشِيِّ - الْجُزْءُ 2 - مُحَمَّدُ بْنُ مَسْعُودٍ الْعَيَّاشِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 129 من 354

44 عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع قَالَ : سَمِعْتُهُ يَقُولُ وَجَدْنَا فِي بَعْضِ كُتُبِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع قَالَ : حَدَّثَنِي رَسُولُ اللهِ ص أَنَّ جَبْرَئِيلَ ع حَدَّثَهُ أَنَّ يُونُسَ بْنَ مَتَّى ع بَعَثَهُ اللهُ إِلَى قَوْمِهِ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَكَانَ رَجُلاً يَعْتَرِيهِ الْحِدَّةُ (1) وَكَانَ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَلَى قَوْمِهِ وَالْمُدَارَاةِ لَهُمْ ، عَاجِزاً عَمَّا حُمِّلَ مِنْ ثِقْلِ حَمْلِ أَوْقَارِ النُّبُوَّةِ وَأَعْلَامِهَا وَأَنَّهُ تَفَسَّخَ تَحْتَهَا كَمَا يَتَفَسَّخُ الْجَذَعُ تَحْتَ حَمْلِهِ (2) وَأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللهِ وَالتَّصْدِيقِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ وَلَمْ يَتْبَعْهُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَّا رَجُلَانِ ، اسْمُ أَحَدِهِمَا رُوبِيلُ وَاسْمُ الْآخَرِ تَنُّوخَا وَكَانَ رُوبِيلُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْعِلْمِ وَالنُّبُوَّةِ وَالْحِكْمَةِ وَكَانَ قَدِيمَ الصُّحْبَةِ لِيُونُسَ بْنِ مَتَّى مِنْ قَبْلِ أَنْ يَبْعَثَهُ اللهُ بِالنُّبُوَّةِ ، وَكَانَ تَنُّوخَا رَجُلاً مُسْتَضْعَفاً عَابِداً زَاهِداً مُنْهَمِكاً فِي الْعِبَادَةِ (3) وَلَيْسَ لَهُ عِلْمٌ وَلَا حُكْمٌ وَكَانَ رُوبِيلُ صَاحِبَ غَنَمٍ يَرْعَاهَا وَيَتَقَوَّتُ مِنْهَا ، وَكَانَ تَنُّوخَا رَجُلاً حَطَّاباً يَحْتَطِبُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَكَانَ لِرُوبِيلَ مَنْزِلَةٌ مِنْ يُونُسَ غَيْرُ مَنْزِلَةِ تَنُّوخَا لِعِلْمِ رُوبِيلَ وَحِكْمَتِهِ وَقَدِيمِ صُحْبَتِهِ فَلَمَّا رَأَى يُونُسُ أَنَّ قَوْمَهُ لَا يُجِيبُونَهُ وَلَا يُؤْمِنُونَ ضَجِرَ وَعَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ قِلَّةَ الصَّبْرِ فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ وَكَانَ فِيمَا يَشْكِى أَنْ قَالَ : يَا رَبِّ إِنَّكَ بَعَثْتَنِي إِلَى قَوْمِي وَلِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ، فَلَبِثْتُ فِيهِمْ أَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِكَ وَالتَّصْدِيقِ بِرِسَالاتِي وَأُخَوِّفُهُمْ عَذَابَكَ وَنَقِمَتَكَ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، فَكَذَّبُونِي وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِي ، وَجَحَدُوا نُبُوَّتِي ، وَاسْتَخَفُّوا بِرِسَالاتِي وَقَدْ تَوَاعَدُونِي وَخِفْتُ أَنْ يَقْتُلُونِي فَأَنْزِلْ عَلَيْهِمْ عَذَابَكَ فَإِنَّهُمْ (قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ) قَالَ : فَأَوْحَى اللهُ إِلَى يُونُسَ أَنَّ فِيهِمْ الْحَمْلَ وَالْجَنِينَ وَالطِّفْلَ وَالشَّيْخَ الْكَبِيرَ وَالْمَرْأَةَ الضَّعِيفَةَ وَالْمُسْتَضْعَفَ الْمُهِينَ ، وَأَنَا الْحَكَمُ الْعَدْلُ ، سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي لَا أُعَذِّبُ الصِّغَارَ بِذُنُوبِ الْكِبَارِ مِنْ قَوْمِكَ ، وَهُمْ يَا يُونُسُ عِبَادِي وَخَلْقِي وَبَرِيَّتِي فِي بِلَادِي وَفِي عَيْلَتِي أُحِبُّ أَنْ أَتَأَنَّاهُمْ (4) وَأَرْفُقَ بِهِمْ وَأَنْتَظِرَ تَوْبَتَهُمْ ، وَإِنَّمَا بَعَثْتُكَ

__________________

(1) أيْ يصيبه البأس والغضب.

(2) فسخ الرّجل : ضعف.

(3) انهمك في الأمر : جدّ فيه ولجّ.

(4) من التّأنّي بمعنى الرّفق والمداراة.

الصفحة 129 من 354