مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مَشَارِقُ أَنْوَارِ الْيَقِينِ فِي أَسْرَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - رَجَبٌ الْبُرْسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 43 من 376

«لولاك لما خلقت الأفلاك» (1) فعلم أن صدور الأفعال عن الصفات ، وصدور الصفات عن الذات ، والصفة التي هي إمام الصفات في ظهور الموجودات ، هي الحضرة المحمّدية فهي عين الوجود وشرف الموجود وهي النقطة الواحدة التي هي صفة الأحد والجمال ، الصادرة عن الجلال ، والنور المبتدع من سحاب العظمة المشعشع من فيض قدس الرحمة وهي عرش النور والكتاب المسطور واللوح المحفوظ وأوّل الظهور ، وختم الأيام والدهور.

يؤيّد ذلك ما ورد عن أمير المؤمنين عليه السّلام أنّه سئل : هل رأيت في الدنيا رجلا؟ فقال : رأيت رجلا وأنا إلى الآن أسأل عنه. فقلت له : من أنت؟

فقال : أنا الطين. فقلت : من أين؟

فقال : من الطين. فقلت : إلى أين؟ فقال : إلى الطين. فقلت : من أنا؟

فقال : أبو تراب. فقلت : أنا أنت. فقال : حاشاك ، حاشاك ، هذا من الدين في الدين ، أنا أنا ، وأنا أنا ، أنا ذات الذوات ، والذات في الذوات الذات ، فقال : عرفت. فقلت نعم. فقال : فامسك.

فأقول : في حل هذا الرمز الشريف إشارة إلى خطاب عالم اللاهوت مع عالم الناسوت ، وهو الروح للجسد ليبيّن للناس الفرق بين هيكل قدسه وسرّ نفسه ، فقوله : رأيت رجلا ، وأنا أسأل إلى الآن عنه. وذلك لأن الروح لم تزل لها تعلّق بالجسد ونظر إليه لأنه بيت غربتها ، ومسكن كربتها ، ومركب سيرها ، وسرير تحصيلها ، والثاني أن العارف أبدا يجب عليه أن يعرف الفرق بين مقام التراب وسرّ ربّ الأرباب ، لأنّه إذا عرف نفسه عرف ربّه ، لأنّه إذا عرف نفسه بالحدوث ، والفقر ، والمسكنة ؛ عرف ربّه بالعزّة والكبرياء ، والعظمة. وقوله : أنا الطين ، إشارة إلى أن العارف ، لم يزل في مقام الفقر والإقرار بالحدوث والعجز. وقوله : من أنا؟ لما أقر الجسد بالمعرفة ، والحدوث والإمكان ، والموت ، والرجوع إلى عنصره ومعدنه ، وتلاشيه وتحلله بعد تركيبه.

وقوله : أنت أبو تراب ، يشير به إلى معنيين : خاص ، وعام. فالأوّل معناه أن المراد من الأب المربّي والمرشد ، والروح قيم هذا الجسد ومربيه ؛ والثاني أن أبا تراب هو الماء ، والمراد به :

__________________

(1) الفوائد المجموعة : 326 ، وجامع الأسرار : 381 ح 758.

الصفحة 43 من 376