مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مَشَارِقُ أَنْوَارِ الْيَقِينِ فِي أَسْرَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - رَجَبٌ الْبُرْسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 23 من 376

فصل

[قصور الفهم عن إدراك مرتبة أمير المؤمنين عليه السّلام]

وكيف أنكروه ، وما عرفوه ، وبمجرّد السمع له ردّوه ، وهو لعمري غرّة فخر الأنوار ، ودرّة بحر الأسرار وزبدة مخض الأسرار ومعرفة أسرار الجبّار ، لأنه النهج الأسلم ، والاسم الأعظم ، والترياق الأكبر ، والكبريت الأحمر ، ولكن ذا المذاق الوثي ، والصدر الشجي ، لا يفرق بين الحنظل والسكر.

ولمّا كانت الموهبة من الكلم (1) المخزون أنكرتها العقول لقصورها عن ارتقاء عالي قصورها ، وصعقت عند سماع نفخة صورها ، فالغالي والقالي هلكا في بحر الإفراط والتفريط ، والتالي والموالي وقفا عند ظاهر التشكيك والتخليط. فالقالي حجبه عن نورهم العالي ظلمة الكبر والحسد ، والغالي تاه في تيه أسرارهم فضلّ عن سبيل الرشد ، والتالي قاسهم بالبشر فوقف عن أسرارهم وقعد ، والعارف نظر إلى ما فضلوا به من المواهب الإلهية فعرف أنّهم سرّ الواحد الأحد ، وأن ظاهرهم باطن الخلايق ، وباطنهم عين الحقايق ، وغيب الإله الخالق ، فعلم من قوله تعالى : (وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ) (2) ، فهم مفاتح غيب الله التي لا يعلم فضلها وسرّها إلّا الله ، وإن رفيع شرفهم لا تنال أيدي العقول علاه ، وخفي سرّهم لا تدرك الأفهام والأوهام معناه ، ولهذا قيل في الحكمة : لا تحدّث الناس بما يسبق إلى العقول إنكاره ، وإن كان عندك اعتذاره ، فليس كل من أسمعته نكرا يوسعك منه عذرا ، وليس كل ما يعلم يقال ، ولا كل ما يقال تجد له رجال. وقال ابن عبّاس للنبي صلّى الله عليه وآله : يا رسول الله أأحدث بكل ما أسمع؟ فقال : نعم إلّا أن يكون حديثا لا تبلغه العقول ، فيجد السامع منه ضلالة وفتنة.

__________________

(1) الصعب المستصعب (خ. ل).

(2) الأنعام : 59.

الصفحة 23 من 376