مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

مَشَارِقُ أَنْوَارِ الْيَقِينِ فِي أَسْرَارِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ - رَجَبٌ الْبُرْسِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 140 من 376

أقول : في هذا الحديث أسرار غريبة ، الأوّل إطاعة الوحوش لهم عيانا وسماعا ، والثاني إخباره أنه لم يغب عنهم وأنه يشهد سائر أوليائه لأن الإمام مع الخلق كلّهم لم يغب عنهم ، ولم يحتجبوا عنه طرفة عين ، ولكن أبصارهم محجوبة عن النظر إليه ، وإن الدنيا بين يدي الإمام كالدرهم بين يدي الرجل يقلّبه كيف شاء ، والثالث أنه أنكر عليه وقال : أتراني لم أشهدكم؟ حيث إنه حسب أن الحجّة لا يشهد لمحجوج عليه بعد أن يثبت أنهم عين الله الناظرة في عباده ، ويده المبسوطة بالفضل في بلاده ، ولسانه المترجم عنه ، وأن قلوب الأولياء مكان مشيئة الله وخزائن أسراره وباب حكمته.

ومن ذلك ما رواه أبو بصير قال : قال أبو عبد الله عليه السّلام : إن المعلى بن خنيس ينال درجتنا ، وإن المدينة من قابل يليها داود بن عروة ، ويستدعيه ويأمره أن يكتب له أسماء شيعتنا فيأبى فيقتله ويصلبه ، فينال بذلك درجتنا ، فلمّا ولي داود المدينة من قابل أحضر المعلّى وسأله عن الشيعة فقال : أعرفهم ، فقال : اكتبهم لي وإلّا ضربت عنقك ، فقال : بالقتل تهدّدني والله لو كانوا تحت قدمي ما رفعتها عنهم ، فأمر بضرب عنقه وصلبه ، فلمّا دخل عليه الصادق عليه السّلام قال : يا داود قتلت مولاي ووكيلي ، وما كفاك القتل حتى صلبته ، والله لأدعون الله عليك كما قتله ، فقال له داود : أتهدّدني بدعائك؟ ادع الله لك فإذا استجاب لك فادعه عليّ ، فخرج أبو عبد الله عليه السّلام مغضبا ، فلما جن الليل اغتسل واستقبل القبلة ، ثم قال : يا ذا يا ذي يا ذوا إرم داود سهما من سهام قهرك تبلبل به قلبه ، ثم قال لغلامه : اخرج واسمع الصائح. فجاء الخبر أن داود قد هلك ، فخرّ الإمام ساجدا وقال : إنّه لقد دعوت الله عليه بثلاث كلمات لو قسمت على أهل الأرض لزلزلت بمن عليها (1).

ومن كراماته عليه السّلام : أن المنصور يوما دعاه ، فركب معه إلى بعض النواحي ، فجلس المنصور على تلال هناك وإلى جانبه أبو عبد الله ، فجاء رجل وهمّ أن يسأل المنصور ثم أعرض عنه ، وسأل الصادق عليه السّلام فحثى له من رمل هناك ملء يديه ثلاث مرّات ، فقال : اذهب وأغل ، فقال له بعض حاشية المنصور : خرجت عن الملك وسألت فقيرا لا يملك شيئا ، فقال الرجل وقد عرق وجهه خجلا ممّا أعطاه : إنّي سألت من أنا واثق بعطائه ، ثم جاء بالتراب إلى بيته ،

__________________

(1) بحار الأنوار : 47 / 181 ح 27 وتصويب العبارة منه.

الصفحة 140 من 376