أَجَلْ، إِنَّ الحِسَابَ يَقَعُ عَلَى الرُّوحِ دُونَ الجَسَدِ، وَيَكُونُ الثَّوَابُ وَالعِقَابُ عَلَى أَسَاسِ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَة لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ﴾، وَالقُبُورُ هِيَ الأَجْسَادُ المُنَفِّذَةُ لِأَحْكَامِ الرُّوحِ، وَلَيْسَ كَمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الظَّاهِرِ: أَنَّ القُبُورَ هِيَ هَذِهِ الحُفَرُ التُّرَابِيَّةُ وَالَّتِي لَا يُوجَدُ فِيهَا إِلَّا بَقَايَا العِظَامِ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّ اللهَ يُحْيِي هَذِهِ العِظَامَ وَيَجْمَعُ مَا تَنَاثَرَ مِنْهَا وَيَكْسُوهَا بِاللَّحْمِ ثُمَّ يُدْخِلُ فِيهَا الرُّوحَ، إِلَى مَا هُنَالِكَ مِنَ الآرَاءِ وَالقِيَاسَاتِ المَرْفُوضَةِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ وَالعِرْفَانِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الجَاثِيَةِ: ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾، نَرَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ ثَلَاثَةَ حُدُودٍ هِيَ: (حَيَاةٌ) مَنْ أَحْيَاهُمُ اللهُ أَيْ خَلَقَهُمْ وَ(نَمُوتُ) بَعْدَ الحَيَاةِ، وَ(نَحْيَا) بَعْدَ المَوْتِ؛ مِمَّا يُثْبِتُ التَّنَقُّلَ فِي القُمْصَانِ البَشَرِيَّةِ، وَلَقَدْ أَشَارَ أَهْلُ التَّوْحِيدِ: أَنَّ كَلِمَةَ (الدَّهْرِ) اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الحَقِّ، وَمَا مِنْ نَفْسٍ تُقْبَضُ إِلَّا وَتَرَى العَيْنَ، وَيُثْبِتُ هَذَا القَوْلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾،




