مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْقَبَسُ الْمُنِيرُ - حَبِيبُ إِبْرَاهِيمُ حَسَنٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 96 من 158

وَاعْلَمْ أَيُّهَا الطَّالِبُ مَعْرِفَةَ الحَقِيقَةِ: أَنَّنَا لَسْنَا وَحْدَنَا نُقِرُّ بِالتَّنَاسُخِ فِي الأَرْوَاحِ بَلْ إِنَّ كَثِيرًا مِنْ فَلَاسِفَةِ وَحُكَمَاءِ الأُمَمِ وَالشُّعُوبِ قَالُوا بِهَذَا الرَّأْيِ وَأَثْبَتُوا صِحَّتَهُ، فَالنَّفْسُ النَّاطِقَةُ عِنْدَ عُلَمَاءِ اليُونَانِ خَالِدَةٌ، كَوْنُهَا مُشْتَقَّةً مِنْ مَصْدَرٍ خَالِدٍ، فَإِذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ قُيُودِ الجَسَدِ اتَّخَذَتْ لَهَا جَسَدًا آخَرَ بِالتَّقَمُّصِ، ثُمَّ لَا تَزَالُ تَنْتَقِلُ مِنْ جِسْمٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى تَتَطَهَّرَ مِنَ الخَطِيئَةِ فَتَعُودَ إِلَى أَحْضَانِ الرُّوحِ العُظْمَى الَّتِي جَوْهَرُهَا، وَهَكَذَا فَإِنَّ أَصْحَابَ المَذَاهِبِ الرُّوحِيَّةِ يُوَافِقُونَنَا عَلَى التَّنَاسُخِ.

وَلَكِنَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِالنُّشُوءِ وَالارْتِقَاءِ يَعْتَقِدُونَ: كُلُّ نَفْسٍ مُنْذُ نَشْأَتِهَا تَسْلُكُ بِدُونِ سُقُوطٍ مِنْ أَدْنَى دَرَجَاتِ الأَحْيَاءِ، ثُمَّ تَتَدَرَّجُ عَلَى سُلَّمِ الأَنْوَاعِ مُرْتَقِيَةً حَتَّى تَبْلُغَ غَايَاتِهَا وَهِيَ الإِنْسَانُ، وَمِنْ ثَمَّ تَتَرَدَّدُ فِي التَّقَمُّصَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ بِقَدْرِ مَا عَلَيْهَا مِنَ الأَوْزَارِ، وَلَمْ تَزَلْ مُرْتَقِيَةً حَتَّى تَبْلُغَ دَرَجَةَ النَّقَاءِ (وَالَّذِي نُسَمِّيهِ عِنْدَنَا الصَّفَاءَ)، وَلَقَدْ أَثْبَتَتِ التَّجَارِبُ العِلْمِيَّةُ الَّتِي أُجْرِيَتْ فَشَلَ نَظَرِيَّةِ النُّشُوءِ وَالارْتِقَاءِ، وَعُلَمَاءُ الهِنْدِ وَغَيْرُهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النَّفْسَ جَوْهَرَةٌ لَيْسَتْ بِجِسْمٍ، وَأَنَّهَا حَيَّةٌ عَالِمَةٌ مُمَيِّزَةٌ لِأَجْلِ ذَاتِهَا وَجَوْهَرِهَا، وَأَنَّهَا هِيَ المُدَبِّرَةُ لِلْأَجْسَامِ المُرَكَّبَةِ مِنْ طَبَائِعِ الأَرْضِ المُتَضَادَّةِ، وَغَرَضُهَا فِي ذَلِكَ أَنْ تُقِيمَهَا عَلَى العَدْلِ وَمَا تَتِمُّ بِهِ السِّيَاسَةُ المُسْتَقِيمَةُ وَالنِّظَامُ المُتَّسِقُ، وَتَرُدَّهَا مِنَ الحَرَكَةِ المُضْطَرِبَةِ إِلَى المُنْتَظِمَةِ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا تَلَذُّ وَتَتَأَلَّمُ وَتَمُوتُ (وَمَوْتُهَا عِنْدَهُمْ هُوَ انْتِقَالُهَا مِنْ جَسَدٍ إِلَى جَسَدٍ)؛ نَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ هَذَا القَوْلِ الوَاضِحِ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَقَالَتَنَا فِي التَّنَاسُخِ.

الصفحة 96 من 158