وَإِذَا كُنَّا نُقَرِّرُ وَنُقِرُّ وَنَعْتَقِدُ أَنَّ اللهَ لَهُ القُدْرَةُ المُطْلَقَةُ وَلَا نَفَادَ لِمُلْكِهِ، فَمَا المَانِعُ أَنْ نُؤْمِنَ بِأَنَّ هَذِهِ الأَرْوَاحَ دَائِرَةٌ مُنْتَقِلَةٌ فِي هَذِهِ القُمْصَانِ اللَّحْمِيَّةِ الطِّينِيَّةِ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى آخَرَ فِي دَارِ البَلْوَى؟ أَفَيَكُونُ ذَلِكَ أَقْرَبَ إِلَى حُجَّةِ العَقْلِ مِنْ أَنْ نَقُولَ بِحَبْسِ الأَرْوَاحِ فِي بِئْرِ الأَرْوَاحِ الَّذِي يَعْتَقِدُ البَعْضُ أَنَّهُ فِي بَلَدِ حَضْرَمَوْتَ؟ وَمَنْ يَدَّعِي ذَلِكَ مُجْرِمٌ وَضَالٌّ، نَفْسُهُ مُظْلِمَةٌ لَمْ تَتَقَبَّلْ شَيْئًا مِنْ نُورِ الحَقِيقَةِ، وَمِنَ العَجَبِ كَيْفَ يَقْبَلُ أَنْ تَجْتَمِعَ رُوحُهُ فِي هَذَا البِئْرِ مَعَ أَرْوَاحِ الحَيَوَانَاتِ وَهَوَامِّ الأَرْضِ وَجَمِيعِ الكَائِنَاتِ الحَيَّةِ الَّتِي يَنْفِرُ مِنْهَا الإِنْسَانُ.
وَجَاءَ فِي سُورَةِ العَنْكَبُوتِ: ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡء قَدِير﴾، قَالَ المُفَضَّلُ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ: قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ عَلَى مَوْلَايَ الصَّادِقِ جَلَّ ذِكْرُهُ فَقَالَ: "اعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ، لَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَصْلَ الخَلْقِ مَا اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي الدِّينِ"، أَيْ لَوْ عَلِمَ الإِنْسَانُ كَيْفِيَّةَ وُجُودِهِ وَعَلَى أَيِّ مِثَالٍ تَكُونُ، وَوَقَفَ عِنْدَ ذَلِكَ بِالعَدْلِ وَالإِنْصَافِ، لَمَا اخْتَلَفَ رَجُلَانِ وَلَمَا حَصَلَ هَذَا التَّعَدُّدُ وَالتَّنَاقُضُ فِي مَذَاهِبِ الشُّعُوبِ.




