وَوَجَدْتُ شَاهِدًا فِي "تَذْكِرَةِ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ" لِلشَّيْخِ يَعْقُوبَ الحَسَنِ قَدَّسَهُ اللهُ: قَالَ الدُّكْتُور بَاسْتُور: "إِنَّ قِيمَةَ مُعْظَمِ أَعْمَالِنَا نَاتِجَةٌ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي عَمِلْنَاهَا بِهَا"، وَعِنْدَنَا أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ بَلْوَى، وَجَدَ فِيهَا المُؤْمِنُ نَتِيجَةَ الرَّدِّ وَالحَيْرَةِ، فَكَانَ الهُبُوطُ مِنَ الأَعْلَى إِلَى الأَسْفَلِ وَلُبْسُ الأَبْدَانِ الطِّينِيَّةِ وَلِيَكُونَ التَّمْحِيصُ عَمَّا قَدْ سَلَفَ مِنْهَا، وَأَمَّا الكَافِرُونَ فَقَدْ خُلِقُوا مِنَ الذَّنْبِ وَالمَعْصِيَةِ وَالنَّارِ الَّتِي هِيَ عِلَّةُ الشَّرِّ، فَعَرَفُوا فَأَنْكَرُوا، فَمُسِخُوا فَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ.
وَفِي المُؤْمِنِينَ قَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ﴾؛ أَيْ نَخْتَبِرَ أَعْمَالَكُمْ، وَالتَّمْحِيصُ يَكُونُ بِالإِجَابَةِ وَإِطَاعَةِ الأَوَامِرِ الإِلَهِيَّةِ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَنَصَّتْ عَلَيْهَا الكُتُبُ، إِذَنْ لَمْ يَخْلُقِ اللهُ الخَلْقَ عَبَثًا، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الدَّارُ إِلَّا دَارَ امْتِحَانٍ لِلْجَمِيعِ، وَلَوْ أَرَادَ اللهُ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ هُودٍ: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّة وَٰحِدَة وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ﴾، وَجَاءَ فِي سُورَةِ الشُّورَى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّة وَٰحِدَة وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّ وَلَا نَصِيرٍ﴾؛ أَيْ جَعَلَ فِي الدَّارِ مُؤْمِنِينَ أَوْ كَافِرِينَ فَقَطْ أَوْ بِالعَكْسِ، وَلَكِنَّ عِمَارَةَ الدَّارِ لَا تَكُونُ إِلَّا بِالصِّنْفَيْنِ: مُؤْمِنِينَ وَكَافِرِينَ وَالنَّصُّ يُؤَكِّدُ أَنَّ الشَّيْءَ لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِمُقَابَلَتِهِ لِضِدِّهِ: فَاليَوْمُ هُوَ اجْتِمَاعُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَاعَةً، فَاللَّيْلُ لَا يُعْرَفُ لَوْلَا مُقَابَلَةُ النَّهَارِ، وَكَذَلِكَ النُّورُ وَالظُّلْمَةُ، وَالحَقُّ وَالبَاطِلُ، وَالخَيْرُ وَالشَّرُّ، وَهَكَذَا، وَكَمَا قَدَّمْنَا: أَنَّ هَابِيلَ نُورٌ تَامٌّ مُطْلَقٌ وَخَيْرٌ مُطْلَقٌ، وَأَمَّا قَابِيلُ فَإِنَّهُ ظُلْمَةٌ تَامَّةٌ مُطْلَقَةٌ وَشَرٌّ مُطْلَقٌ، وَهَذَا العَدْلُ بِعَيْنِهِ.




