جَاءَ نَصًّا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ: إِنَّ كُلَّ عُنْصُرٍ يَعُودُ إِلَى عُنْصُرِهِ فِي نِهَايَةِ النَّشْأَةِ، وَعِنْدَهَا تُرَدُّ سَيِّئَاتُ المُؤْمِنِ وَتُعْطَى لِلْكَافِرِ، وَتُرَدُّ حَسَنَاتُ الكَافِرِ وَتُعْطَى لِلْمُؤْمِنِ، وَهَذَا هُوَ العَدْلُ بِذَاتِهِ، وَشَاهِدُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ اللهِ فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿لِيَحْمِلُوٓاْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ﴾(1)، وَالأَوْزَارُ هِيَ التَّبِعَاتُ مِنَ الأَعْمَالِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الفُرْقَانِ: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَٰلِحًا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَئَِّاتِهِمْ حَسَنَٰتٍۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(2).
وَلَا تَكُونُ العُقُوبَةُ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ، وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَظْلِمَ أَحَدًا مِنَ العِبَادِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَاۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾(3)، وَسُمِّيَتِ الثَّانِيَةُ سَيِّئَةً لِمُشَابَهَتِهَا لِلأُولَى فِي الصُّورَةِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا يُقْتَصُّ فِيهِ مِنَ الجِرَاحَاتِ، وَمِنْ سُورَةِ الجَاثِيَةِ: ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحًا فَلِنَفْسِهِۦۖ وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾(4).
وَلَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ البُلْدَانِ الإِسْلَامِيَّةِ ظَلَّتْ إِلَى عَهْدٍ قَرِيبٍ تُطَبِّقُ النَّصَّ كَمَا أُنْزِلَ: فَالسَّارِقُ تُقْطَعُ يَدُهُ، وَالزَّانِي يُجْلَدُ، وَكَذَلِكَ شَارِبُ الخَمْرَةِ وَمَنْ كَسَرَ سِنًّا تُكْسَرُ سِنُّهُ، وَمَنْ قَطَعَ يَدًا تُقْطَعُ يَدُهُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسًا يُقْتَلُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفْسَ بِٱلنَّفْسِ وَٱلْعَيْنَ بِٱلْعَيْنِ وَٱلْأَنفَ بِٱلْأَنفِ وَٱلْأُذُنَ بِٱلْأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلْجُرُوحَ قِصَاصٌۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾(5)، هَذَا هُوَ العَدْلُ لَقَدْ أَقَامَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ظَاهِرَ هَذَا القَوْلِ وَغَابَتْ أَفْهَامُهُمْ عَنِ الحَقِيقَةِ.




