وَأَنَا أَتَسَاءَلُ: مَتَى كَانَ المُحْدَثُ شَخْصًا نَاطِقًا بِدُونِ القَدِيمِ؟ فَالصُّورَةُ المُحَمَّدِيَّةُ الَّتِي رَآهَا النَّاسُ قَائِمَةً بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ أَبْدَتْ أَفْعَالًا خَارِقَةً، فَهَلْ هَذِهِ الأَفْعَالُ لِلنَّوْعِ القَدِيمِ الَّذِي أَشَرْنَا إِلَيْهِ، أَمْ مِنَ النَّوْعِ المُحْدَثِ؟ وَنَحْنُ نَعْلَمُ مِنْ دِرَاسَةِ أَحْوَالِنَا: أَنَّ الجَسَدَ لَا نُطْقَ مِنْهُ وَلَا فِعْلَ بِهِ وَلَا حَرَكَةَ بِدُونِ وُجُودِ الرُّوحِ، وَهَلِ الَّذِي أَدْلَى بِهِ مِنْ نُطْقٍ ذَلِكَ البَابُ الكَرِيمُ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ كَشْفًا وَتَصْرِيحًا بِمَعْنَوِيَّةِ مَوْلَاهُ عَزَّ عِزُّهُ: أَكَانَ مِنْ فِعْلِ مُحْدَثِ الاسْمِ أَمْ إِرَادَةً جَرَتْ مِنْ قَدِيمِ الاسْمِ لِذِكْرِهِ الجَلَالَةُ وَالتَّعْظِيمُ بِأَمْرِ المَعْنَى عَزَّ عِزُّهُ؟ هَذِهِ أَسْئِلَةٌ مَطْرُوحَةٌ دَائِمًا وَفِيهَا اخْتَلَفَتِ الآرَاءُ وَتَضَارَبَتِ الأَفْكَارُ.
وَمِنَ المَشْهُورِ عِنْدَ كَافَّةِ المُسْلِمِينَ أَنَّ السَّيِّدَ مُحَمَّدًا عَزَّ عِزُّهُ قَالَ: «أَنَا سَيِّدُ العَرَبِ وَسَلْمَانُ سَيِّدُ الفُرْسِ، حَتَّى إِنِّي لَوْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنَّ سَلْمَانَ سَلَكَ حَيْثُ ذُو القَرْنَيْنِ سَلَكَ، وَمَرَّ فِي الظُّلُمَاتِ وَوَقَفَ عَلَى يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَبَلَغَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ وَمَغْرِبَهَا لَقُلْتُ حَقًّا»، هَذِهِ شَهَادَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ بِأَنَّ السَّيِّدَ سَلْمَانَ إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ سَلَكَ حَيْثُ ذُو القَرْنَيْنِ، وَذُو القَرْنَيْنِ هُوَ الاسْمُ لِذِكْرِهِ الجَلَالَةُ وَالتَّعْظِيمُ وَهُوَ الاسْكَنْدَرُ جَلَّ ذِكْرُهُ؛ وَفِي بَاطِنِ البَاطِنِ: إِنَّ فِي هَذَا القَوْلِ سِرًّا عَمِيقًا لَهُ إِشَارَةٌ دَقِيقَةٌ، أَنَارَ اللهُ قُلُوبَنَا بِمَعْرِفَةِ الحَقَائِقِ وَأَحْسَنَ دُخُولَنَا مِنَ البَابِ لِمَعْرِفَةِ رَبِّ الأَرْبَابِ.




