وَإِنَّ فِيثَاغُورْسَ كَانَ يَعْلَمُ عُلُومًا مِنَ الغَيْبِ وَضُرُوبًا مِنَ الوَحْيِ لِصَفَاءِ نَفْسِهِ وَتَجَرُّدِهَا مِنْ أَدَوَاتِ هَذَا العَالَمِ، وَجَاءَ فِي الإِنْجِيلِ: «وَإِنِّي كُنْتُ غَائِبًا فِي الجَسَدِ لَكِنِّي مَعَكُمْ فِي الرُّوحِ، فَرِحًا وَنَاظِرًا تَرْتِيبَكُمْ وَمَتَانَةَ إِيمَانِكُمْ» وَجَاءَ فِي مُقَدِّمَةِ ابْنِ خَلْدُونَ -وَهُوَ مِنَ السُّنَّةِ-: «وَالنُّفُوسُ البَشَرِيَّةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ عَاجِزٌ بِالطَّبْعِ عَنِ الوُصُولِ، فَيَنْقَطِعُ بِالحَرَكَةِ إِلَى الجِهَةِ السُّفْلَى نَحْوَ المَدَارِكِ الحِسِّيَّةِ وَالخَيَالِيَّةِ، وَصِنْفٌ مَفْطُورٌ عَلَى الانْسِلَاخِ مِنَ البَشَرِيَّةِ جُمْلَةً -جُسْمَانِيَّتِهَا وَرُوحَانِيَّتِهَا- إِلَى المَلَائِكَةِ مِنَ الأُفُقِ الأَعْلَى، وَصِنْفٌ نَاقِصٌ آخَرُ مِنَ البَشَرِ، نَاقِصٌ عَنْ رُتْبَةِ الصِّنْفِ الأَوَّلِ نُقْصَانَ الضِّدِّ عَنْ ضِدِّهِ الكَامِلِ»، وَهَذَا مَا يُؤَكِّدُ صِحَّةَ القَوْلِ: إِنَّ لِلنَّفْسِ اسْتِعْدَادًا لِلانْسِلَاخِ مِنَ البَشَرِيَّةِ إِلَى المَلَكِيَّةِ، لِيَصِيرَ بِالفِعْلِ مِنْ جِنْسِ المَلَائِكَةِ فِي عَالَمِ الرُّوحِيَّاتِ.
وَأَخِيرًا أَقُولُ: لَقَدْ قَدَّمْتُ الشَّوَاهِدَ الشَّافِيَةَ وَالأَدِلَّةَ البَيِّنَةَ الَّتِي لَا تُدْفَعُ، وَلَوْ أَمْعَنَّا النَّظَرَ فِيهَا لأَدْرَكْنَا أَنَّهَا كُلَّهَا مُتَّفِقَةٌ مَعَ مَذْهَبِنَا وَرَأْيِنَا، وَلَكِنَّ التَّعَصُّبَ الدِّينِيَّ مِنَ المِلَلِ وَالشُّعُوبِ الأُخْرَى لَا تُوَافِقُنَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ وَبِهَذَا القَدْرِ مِنَ الشَّرْحِ نَأْتِي إِلَى خِتَامِ المَسْأَلَةِ الأُولَى، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾(1).




