وَفِي هَذَا المَجَالِ قَالَ السَّيِّدُ المِيمُ لِذِكْرِهِ التَّعْظِيمُ: «أَعْرَفُكُمْ بِنَفْسِهِ أَعْرَفُكُمْ بِرَبِّهِ، وَأَجْهَلُكُمْ بِنَفْسِهِ أَجْهَلُكُمْ بِرَبِّهِ»، وَحُكَمَاءُ اليُونَانِ كَمَا ذَكَرْنَا يَعْتَقِدُونَ: إِنَّ الإِنْسَانَ يَنْتَقِلُ نَقْلًا، وَأَنَّ التَّنَاسُخَ حَقِيقَةٌ وَارِدَةٌ، وَكَذَلِكَ الهُنُودُ يُقِرُّونَ بِهِ وَلأَفْلَاطُونَ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي النَّفْسِ النَّاطِقَةِ كَلَامٌ كَثِيرٌ: فِي هَلِ النَّفْسُ فِي البَدَنِ أَمِ البَدَنُ فِي النَّفْسِ؟ كَأَنْ نَقُولَ: الشَّمْسُ هِيَ فِي الدَّارِ أَمِ الدَّارُ فِي الشَّمْسِ؟ وَهَذَا قَوْلٌ يَتَغَلْغَلُ بِنَا الكَلَامُ فِيهِ إِلَى القَوْلِ فِي تَنَقُّلِ الأَرْوَاحِ فِي أَنْوَاعِ الصُّوَرِ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا القَوْلِ المُبَطَّنِ: إِنَّ الرُّوحَ لَا تَدْخُلُ فِي الجَسَدِ حُلُولًا.
وَلَقَدْ زَعَمَ كَثِيرٌ مِنَ الحُكَمَاءِ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنَ الغَيْبِ، فَقَالُوا أَنَّ نُفُوسَهُمْ قَدْ صَفَتْ فَهِيَ مُطَّلِعَةٌ عَلَى أَسْرَارِ الطَّبِيعَةِ، وَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ كَانَتْ قَدْ صَفَتْ حَتَّى صَارَتْ لِتِلْكَ الأَرْوَاحِ مِنَ الجَنَّةِ مُتَّفِقَةً، وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنَ النَّصَارَى إِلَى أَنَّ السَّيِّدَ المَسِيحَ كَانَ يَعْلَمُ الغَائِبَاتِ مِنَ الأُمُورِ وَيُخْبِرُ عَنِ الأَشْيَاءِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، لأَنَّهُ كَانَتْ فِيهِ نَفْسٌ عَالِمَةٌ بِالغَيْبِ.




