وَلَقَدْ أَشَارَ إِلَى عَلَاقَةِ النَّفْسِ بِالعَقْلِ عَلِيُّ بْنُ سِينَا البُخَارِي بِقَوْلِهِ:
هَذِّبِ النَّفْسَ بِالعُلُومِ لِتَرْقَى | وَذَرِ الكُلَّ فَهْيَ لِلْكُلِّ بَيْتُ | |
إِنَّمَا النَّفْسُ كَالزُّجَاجَةِ وَالعَقْلُ | سِرَاجٌ وَحِكْمَةُ اللهِ زَيْتُ | |
فَإِذَا أَشْرَقَتْ فَإِنَّكَ حَيٌّ | وَإِذَا أَظْلَمَتْ فَإِنَّكَ مَيْتُ |
وَهَكَذَا إِلَى آخِرِ القَصِيدَةِ.
وَلِزِيَادَةِ الإِيضَاحِ يَجِبُ أَنْ نُورِدَ بَعْضَ آرَاءِ وَمُعْتَقَدَاتِ الحُكَمَاءِ وَالفَلَاسِفَةِ فِي هَذَا السَّبِيلِ، وَرَدَ السُّؤَالُ التَّالِي فِي إِحْدَى المَجَلَّاتِ الرُّوحَانِيَّةِ فِي بَارِيسَ: مَا هِيَ المَوَانِعُ الَّتِي تَصُدُّ الرُّوحَ عَنْ تَلْبِيَةِ الدَّعْوَةِ؟ وَكَانَ الجَوَابُ: إِنَّ مِنَ الأَرْوَاحِ مَا لَا يَسْتَطِيعُ مُنَاجَاتِكُمْ بَتَاتًا، وَهِيَ المُتَجَسِّدَةُ فِي عَالَمٍ دُونَ عَالَمِكُمُ الأَرْضِيِّ، لأَنَّ الأَرْوَاحَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخَاطِبَ سُكَّانَ عَالَمٍ مَا لَمْ يَكُنْ دَرَجَةُ تَقَدُّمِهِ مُوَازِيًا لِلْعَالَمِ المَدْعُوِّ إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَيَكُونُ غَرِيبًا عَنْ أَفْكَارِهِ وَمَبَادِئِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ رُوحًا مُتَقَدِّمًا أُرْسِلَ إِلَى العَالَمِ تَكْفِيرًا عَنْ ذُنُوبِهِ فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ.
وَنَحْنُ نَفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ: إِنَّ الجِنْسَ لَا يَفْهَمُ إِلَّا عَنْ جِنْسِهِ، وَمِنَ العَدْلِ الشَّامِلِ وَالحِكْمَةِ التَّامَّةِ أَنْ ظَهَرَ الرَّبُّ لِلْخَلْقِ كَالخَلْقِ لِيَفْهَمُوا عَنْهُ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَلِتَكُونَ العِبَادَةُ لِلْحَاضِرِ المَوْجُودِ وَلَيْسَ لِلْغَائِبِ المَفْقُودِ، فَإِنَّ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَدْعُونَ خَالِقَهُمْ وَيَطْلُبُونَ مِنْهُ الرَّحْمَةَ لَا يَتَحَقَّقُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الحَالَاتِ، لأَنَّ الدُّعَاءَ مَحْجُوبٌ بِالذُّنُوبِ، وَلَقَدْ سُئِلَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ عَنِ المَسَافَةِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: «دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ!».




