وَجَاءَ فِي الإِنْجِيلِ: «نَحْنُ الخِتَانُ الحَقِيقِيُّ الَّذِينَ نَعْبُدُ اللهَ بِالرُّوحِ وَنَفْتَخِرُ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ وَلَا نَتَّكِلُ عَلَى الجَسَدِ»، هَذَا خَيْرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ تَكُونُ مِنْ جِهَةِ الرُّوحِ، وَكَذَلِكَ الجُحُودُ وَالإِنْكَارُ.
وَفَلَاسِفَةُ اليُونَانِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ النَّفْسَ مُتَحَرِّكَةٌ دَائِمًا، وَأَنَّ الإِنْسَانَ مُؤَلَّفٌ مِنْ طَبِيعَةٍ مَادِّيَّةٍ، وَطَبِيعَةٍ رُوحِيَّةٍ نَاطِقَةٍ وَهِيَ جُزْءٌ مِنَ النَّفْسِ العَامَّةِ وَغَيْرِ نَاطِقَةٍ تَشْمَلُ العَوَاطِفَ وَهِيَ زَائِلَةٌ، وَأَمَّا النَّفْسُ النَّاطِقَةُ فَخَالِدَةٌ لأَنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنْ مَصْدَرٍ خَالِدٍ، فَإِذَا تَخَلَّصَتْ مِنْ قُيُودِ الجَسَدِ اتَّخَذَتْ لَهَا جَسَدًا آخَرَ بِالتَّقَمُّصِ، فَلَا تَزَالُ تَنْتَقِلُ مِنْ جِسْمٍ إِلَى آخَرَ حَتَّى تَتَطَهَّرَ مِنَ الخَطِيئَةِ فَتَعُودَ إِلَى أَحْضَانِ الرُّوحِ العُظْمَى الَّتِي هِيَ جَوْهَرُهَا، وَهَذَا الاعْتِقَادُ يُوَافِقُ مُعْتَقَدَنَا تَمَامًا وَلَا يَخْرُجُ عَنْ مَنْهَجِ التَّوْحِيدِ.
وَيَعْتَقِدُونَ أَيْضًا: أَنَّ الآلِهَةَ مُنْبَثِقَةٌ مِنَ الرُّوحِ العُظْمَى، لَكِنَّهَا تَتَفَاوَتُ قُوَّةً وَكَمَالًا بِتَفَاوُتِ دَرَجَاتِ انْفِصَالِهَا مِنْ تِلْكَ الرُّوحِ، هَذَا مَا قَرَّرَهُ فِيثَاغُورْسُ، وَبِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِهِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللهِ عَبَّرَ عَنْهَا بِالعَدَدِ "وَاحِدٍ" وَاعْتَبَرَ الأَرْوَاحَ الأُخْرَى أَعْدَادًا مُؤَلَّفَةً مِنْهُ، وَهَذَا القَوْلُ -مِنْ حَيْثُ المَبْدَأُ- يُوَافِقُ مَذْهَبَنَا، إِذْ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ تَعَالِيمِ مَوَالِينَا وَسَادَاتِنَا أَهْلِ البَيْتِ الطَّاهِرِ؛ وَبِهَذَا نَكُونُ قَدْ بَيَّنَّا عَلَاقَةَ الرُّوحِ بِالبَدَنِ وَهُبُوطَ هَذِهِ الأَرْوَاحِ وَإِلَى أَيْنَ يَكُونُ مَصِيرُهَا.




