وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۖ قَالُوٓاْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(1)، فَكَانَ قَوْلُهُمْ هَذَا رَدًّا عَلَى البَارِي، وَكَانَ هَذَا الكَلَامُ عَلَى لِسَانِ المَلَائِكَةِ لأَنَّ عَالَمَ البَشَرِ سَيَقُولُونَ ذَلِكَ، وَخَلَقَ اللهُ سُبْحَانَهُ، عَدُوًّا لَهُمْ وَأَوْصَاهُمْ أَلَّا يُخْبِرُوهُ مَا حَقِيقَةُ تَكْوِينِهِ، فَأَخْبَرُوهُ فَكَانَ إِخْبَارُهُمْ لَهُ رَدًّا ثَانِيًا، فَقَالَ لَهُمُ البَارِي: لَقَدْ أَخْلَفْتُمُ الوَصِيَّةَ وَأَدْرَكْتُمُ المَعْصِيَةَ فَاهْبِطُوا إِلَى السُّفْلَانِيَّةِ، فَكَانَتْ عِنْدَئِذٍ الهَبْطَةُ وَلُبْسُ الأَبْدَانِ الطِّينِيَّةِ.
وَلَقَدْ تَحَدَّثَ الشَّيْخُ أَحْمَد قَرْفِيص قَدَّسَهُ اللهُ فِي مَسَائِلِهِ عَنِ الهَبْطَةِ فَقَالَ: «إِنَّ الأَنْفُسَ مُطْلَقًا هَبَطَتْ بِالعِنَايَةِ الإِلَهِيَّةِ وَالحِكْمَةِ الرَّبَّانِيَّةِ، وَفَارَقَتِ النُّورَ البَاهِرَ وَاتَّصَلَتْ بِهَذِهِ الأَجْسَامِ المُرَكَّبَةِ مِنَ العَنَاصِرِ الأَرْبَعَةِ، لِيُشَرِّفَهَا بِكَمَالِ مَعْرِفَةِ بَارِيهَا وَيُعَقِّلَهَا بِعَقْلِهَا وَيُصَفِّيَهَا، وَلِكَيْ تُشَاهِدَ الظُّهُورَ البَشَرِيَّ كَمَا شَاهَدَتْهُ فِي عَالَمِ النُّورِ، وَلَا يُمْكِنُ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ أَنْ تَهْبِطَ هَذِهِ الأَنْفُسُ مِنَ العُلُوِّ إِلَى الأَسْفَلِ بِاخْتِيَارِهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ قَدْ غَضِبَ البَارِي عَلَيْهَا بِرَدِّهَا عَلَيْهِ فَعَاقَبَهَا بِلُبْسِ الأَبْدَانِ، لأَنَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُوصَفُ بِالغَضَبِ لأَنَّهُ مُفِيضُ الخَيْرِ وَالجَمَالِ».




