كَمَا أَنَّ الهُبُوطَ يَأْتِي بِمَعْنَى الخُرُوجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوْلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ﴾(1)، أَيْ يَهْبِطُهُمْ جَزَاءً عَلَى إِنْكَارِهِمْ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ إِلَى المَسُوخِيَّةِ.
وَجَاءَ فِي دِيوَانِ الأَمِيرِ حَسَن بْن مَكْزُون السِّنْجَارِي قَدَّسَهُ اللهُ، شَرْحِ عَلَّامَةِ عَصْرِهِ وَفَرِيدِ دَهْرِهِ الشَّيْخِ سُلَيْمَان أَحْمَد قَدَّسَهُ اللهُ: إِنَّ الهُبُوطَ هُوَ السُّقُوطُ عَنِ الرُّتْبَةِ، وَالشَّيْءُ المُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِيَّةِ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ الأَرْوَاحَ هَبَطَتْ مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ، أَيْ مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ إِلَى الاحْتِجَابِ بِهَذِهِ الأَبْدَانِ الكَثِيفَةِ، عُقُوبَةً لَهَا لِرَدِّهَا عَلَى بَارِيهَا.
وَقَالَ السَّيِّدُ الشَّيْخُ يَعْقُوب الحَسَن صَاحِبُ رِسَالَةِ (تَذْكِرَةِ الحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ): قَالَ بَعْضُ الفَلَاسِفَةِ الحُكَمَاءِ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ العُجْبُ الَّذِي خَامَرَ الأَنْفُسَ فِي الذُّرُوِّ، أَوْقَعَهَا بِالشَّكِّ وَالحَيْرَةِ، وَهُبُوطُهَا مِنْ أَعْلَى إِلَى أَسْفَلَ بِسَبَبِ الرَّدِّ عَلَى بَارِيهَا، وَأَلْبَسَهَا الأَجْرَامَ الكَثِيفَةَ لِتُبْتَلَى وَتُمَحَّصَ عَمَّا سَلَفَ مِنْهَا، أَيْ لِتُخْتَبَرَ بِوُجُودِ الهُدَى الَّذِي وَعَدَهَا بِهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾(2)، وَالهُدَى هُوَ الظُّهُورُ.. وَهَلْ مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ يُقَدِّرَ لَهُمْ أَوْ عَلَيْهِمْ عَمَلًا -خَيْرًا كَانَ أَوْ شَرًّا- إِلَّا بَعْدَ الدَّعْوَةِ وَإِثْبَاتِ الحُجَّةِ؟




