وَأَمَّا المُؤْمِنُ فَيَكُونُ هُبُوطُهُ مِنَ الرُّوحَانِيَّةِ إِلَى البَدَنِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَدْنَى مَرْتَبَةٍ لَهُ، وَأَعْلَى مَا يَصِلُ إِلَيْهِ المُؤْمِنُ هُوَ التَّخَلُّصُ مِنَ الكَثَافَةِ البَدَنِيَّةِ وَالصُّعُودُ إِلَى مَحَلِّهِ الأَوَّلِ، المُعَبَّرِ عَنْهُ بِالصَّفَاءِ، وَعِنْدَمَا نَقُولُ «فِي كُلِّ يَوْمٍ صُعُودٌ وَهُبُوطٌ» نُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ المُؤْمِنَ يَصْعَدُ عَلَى سُلَّمِ الطَّلَبِ لِقَطْعِ القُمُصِ الثَّمَانِينَ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ عَلَّا اللهُ مَقَامَهُ فِي دِيوَانِهِ وَالصُّعُودُ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَقَضَاءِ حُقُوقِ الإِخْوَانِ وَالالْتِزَامِ بِالمُفْتَرَضَاتِ بِصِدْقٍ وَإِخْلَاصٍ؛ وَأَمَّا الكَافِرُ فَهُوَ فِي هُبُوطٍ مُسْتَمِرٍّ فَيُظْلِمُ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَدْخُلَ فِي المَسُوخِيَّةِ، أَعَاذَنَا اللهُ وَجَمِيعَ إِخْوَانِنَا المُؤْمِنِينَ مِنْ حَرِّ الحَدِيدِ وَبَرْدِهِ.
وَعِنْدَنَا أَنَّ العَالَمَ المُرَتَّبَ يَظْهَرُونَ لِظُهُورِ البَارِي وَيَغِيبُونَ لِغَيْبَتِهِ وَظُهُورُهُمْ هَذَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ مَجَازًا «هُبُوطًا» وَلَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ غَادَرُوا حَظِيرَةَ القُدْسِ وَمَحَلَّ الأُنْسِ، وَلَكِنَّهُمْ ظَهَرُوا مَعَ الرَّبِّ لِعَالَمِ البَشَرِ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّفْهِيمِ وَلِمُشَاهَدَةِ الظُّهُورِ هُنَا كَمَا شَاهَدُوهُ هُنَاكَ، وَقَالَ مُشِيرًا إِلَى هَذِهِ النَّاحِيَةِ العَالِمُ الرَّئِيسُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِي بْنُ سِينَا البُخَارِي رَحِمَهُ اللهُ:
هَبَطَتْ إِلَيْكَ مِنَ المَحَلِّ الأَرْفَعِ | وَرْقَاءُ ذَاتُ تَعَزُّزٍ وَتَمَنُّعِ |
وَرُبَّمَا أَشَارَ وَأَرَادَ حَبِيبَتَهُ الظَّاهِرَةَ المُشْرِقَةَ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا قَلْبُهُ، وَوَصَفَهَا بِالوَرْقَاءِ سَتْرًا عَلَى السِّرِّ.




