وَجَاءَ فِي الإِنْجِيلِ: «فَقَالَتْ مَرْيَمُ: تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي»، وَإِذَا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّ النُّورِ هِيَ البَابُ، فَإِنَّ ابْتِهَاجَهَا مِنْ رَبِّهَا هُوَ المَدَدُ الحَاصِلُ لَهَا مِنْهُ، كَمَا جَاءَ فِي الإِنْجِيلِ: «أَمَّا الصَّبِيُّ فَكَانَ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ، وَكَانَ فِي البَرَارِي إِلَى يَوْمِ ظُهُورِهِ».
وَالصَّبِيُّ فِي هَذَا المَوْضِعِ إِشَارَةٌ إِلَى السَّيِّدِ المَسِيحِ جَلَّ ذِكْرُهُ، وَنُمُوُّهُ مَا فَوَّضَهُ إِلَيْهِ مَوْلَاهُ وَمَعْنَاهُ مِنْ فِعْلٍ وَقُدْرَةٍ، وَكَانَ فِي البَرَارِي إِشَارَةٌ إِلَى غَيْبَتِهِ وَهُوَ المَهْدِيُّ جَلَّ ذِكْرُهُ الَّذِي سَيَظْهَرُ وَيَكُونُ بِظُهُورِهِ فَرَجُ المُؤْمِنِينَ وَانْكِسَارُ الشَّوْكَةِ الضِّدِّيَّةِ.
وَلَا بُدَّ بَعْدَ هَذَا مِنْ إِيضَاحِ مُشْكِلَةِ امْتِزَاجِ المُؤْمِنِ بِالكَافِرِ، وَجَاءَ نَصًّا: إِنَّ امْتِزَاجَ المُؤْمِنِ وَالكَافِرِ كَانَ بِالتَّوَالُدِ وَالتَّنَاكُحِ وَالتَّنَاسُلِ، فَنَرَى أَنَّ المُؤْمِنَ يَلِدُ كَافِرًا وَالكَافِرَ يَلِدُ مُؤْمِنًا، وَلَقَدِ اتَّفَقَ المُؤْمِنُ وَالكَافِرُ فِي الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ وَاخْتَلَفَا مِنْ جِهَةِ الرُّوحِ؛ لأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَهُ عِلَّةٌ، وَبِحُكْمِ العَقْلِ لَا أَعْتَقِدُ أَنَّ النَّفْسَ الشِّرِّيرَةَ يَتَوَلَّدُ عَنْهَا نَفْسٌ خَيِّرَةٌ، أَوْ أَنَّ النَّفْسَ الخَيِّرَةَ يَتَوَلَّدُ عَنْهَا نَفْسٌ شِرِّيرَةٌ؛ وَلَكِنَّ الوِلَادَاتِ الَّتِي ذَكَرَهَا مَوَالِينَا وَسَادَاتُنَا الثُّقَاةُ كَوِلَادَةِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ آزَرَ، وَوِلَادَةِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، وَكَذَلِكَ وِلَادَةِ ابْنِ نُوحٍ مِنْ نُوحٍ، وَوِلَادَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، لَيْسَ إِلَّا تَلْبِيسًا عَلَى أَهْلِ الجُحُودِ وَالإِنْكَارِ، وَلَا حَقِيقَةَ لِهَذِهِ الوِلَادَاتِ، وَيَكْفِي أَنْ نَفْهَمَ الحِكْمَةَ مِنْ زَوَاجِ السَّيِّدِ مُحَمَّدٍ جَلَّ ذِكْرُهُ مِنْ عَائِشَةَ الَّتِي هِيَ شَخْصٌ مِنْ أَشْخَاصِ الضِّدِّ.




