وَقَالَ رَسُولُ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي، مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا فَلَنْ تَضِلُّوا مِنْ بَعْدِي»، وَجَاءَ فِي سُورَةِ الحَجِّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ﴾، وَالاعْتِصَامُ بِاللهِ هُوَ الإِقْرَارُ بِهِ وَالتَّمَسُّكُ بِالوِلَايَةِ طَرِيقِ النَّجَاةِ، جَعَلَنَا اللهُ مِمَّنِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقَى.
وَمِنْ سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ قَدَّمْنَا فِيمَا سَبَقَ أَنَّ رَجُلًا أَغْضَبَ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ بِرَدِّهِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ رِضَاهُ بِحُكْمِهِ وَاتِّهَامِهِ لَهُ بِجَوْرِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ جَلَّ ذِكْرُهُ «خَسِئْتَ يَا كَلْبُ!» فَكَانَ كَلْبًا لِوَقْتِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ غَيْرُهُ مِنْ قَبْلُ وَلَا مِنْ بَعْدُ كَلِمَةَ (كُنْ) فَيَكُونَ مَا أَرَادَ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ؛ أَمَّا الرُّسُلُ فَيَقُولُونَ (كُنْ) لِلشَّيْءِ فَيَكُونُ، لَكِنْ بِإِذْنِ اللهِ العَلِيِّ العَلَّامِ، وَثَمَّةَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ ثَابِتَةٌ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ كَلِمَةَ (كُنْ) فَفَعَلَ، وَسُبْحَانَ الفَاعِلِ لِمَا يُرِيدُ.
وَمِنَ القَوَانِينِ الثَّابِتَةِ عَنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ: أَنَّ المَعْنَى القَدِيمَ عَزَّ عِزُّهُ كَانَ وَلَا مَكَانَ، ثُمَّ شَاءَ وَأَرَادَ وَقَدَّرَ، فَاخْتَرَعَ الاسْمَ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ، نَفْهَمُ مِنْ هَذَا القَوْلِ أَنَّهُ قَالَ (كُنْ) فَكَانَ، وَمِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾، وَكَمْ قَالَ عَزَّتْ آلَاؤُهُ لِلْأَحْيَاءِ كُونُوا أَمْوَاتًا وَلِلْأَمْوَاتِ كُونُوا أَحْيَاءً فَكَانُوا، مِمَّا لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ وَلَا إِنْكَارُهُ لِحُصُولِهِ أَمَامَ العَامِّ وَالخَاصِّ، وَعَنْ سَادَاتِنَا وَمَوَالِينَا أَهْلِ العِلْمِ وَالمَعْرِفَةِ: أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ الشَّيْءُ مِنَ العَدَمِ إِلَى الوُجُودِ إِلَّا اللهُ، وَهَذِهِ صِفَةٌ انْفَرَدَ بِهَا الحَيُّ القَيُّومُ إِمَامُ كُلِّ إِمَامٍ.




