وَأَمَامَ هَذَا كُلِّهِ كَانَ رَسُولُ اللهِ عَزَّ عِزُّهُ عِنْدَمَا يُطْلَبُ مِنْهُ مُعْجِزَةٌ يَقُولُ: يَا عَلِيُّ! قُمْ وَافْعَلْ كَذَا وَكَذَا، فَيَفْعَلُ، فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يُعْجِزُهُ أَحَدٌ وَلَا يَمْنَعُهُ عَنْ تَحْقِيقِ مُرَادِهِ، وَلَقَدْ أَعْلَنَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ تَصْرِيحًا مُشِيرًا إِلَى اعْتِمَادِهِ عَلَى عَلِيٍّ وَصِيِّهِ (وَأَنَّ الرَّسُولَ لَا يَعْتَمِدُ إِلَّا عَلَى المُرْسِلِ) فَقَالَ: "أَيْنَ مُنْجِزُ وَعْدِي وَقَاضِي دَيْنِي، أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟" وَلَقَدْ خَسِرَ المُسْلِمُونَ مَعْرَكَةَ بَدْرٍ الأُولَى وَانْتَصَرُوا فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ هَذَا النِّدَاءِ، فَقَذَفَ رَسُولُ اللهِ عَزَّ عِزُّهُ فِي صُفُوفِ المُشْرِكِينَ عَدَدًا مِنَ الحَصَى فَوَلَّوُا الدُّبُرَ (وَأَنْزَلَ اللهُ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا) فَقَالَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ سُورَةِ الأَنْفَالِ: ﴿فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيم﴾.
رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ الغِفَارِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي بَعْضِ غَزْوَاتِهِ، فَلَمَّا أَمْسَيْنَا هَبَطَ رِيحٌ شَدِيدٌ بَارِدَةٌ وَعَلَتْنَا غَمَامَةٌ هَطَلَتْ غَيْثًا، فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ عَزَّ عِزُّهُ وَقَالَ: إِنْ قَدْ أَخَذَهُمُ البَرْدُ وَقَدِ ابْتَلَّتِ المَقَادِحُ وَالزِّنَادُ فَلَمْ تُورِ، وَقَدْ أَشْرَفُوا عَلَى الهَلَكَةِ لِشِدَّةِ البَرْدِ، فَالتَفَتَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِلَى عَلِيٍّ جَلَّ ذِكْرُهُ وَقَالَ لَهُ: قُمْ يَا عَلِيُّ وَاجْعَلْ لَهُمْ نَارًا، فَقَامَ عَلِيٌّ جَلَّ ذِكْرُهُ وَعَمَدَ إِلَى شَجَرٍ أَخْضَرَ فَقَطَعَ غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهِ وَجَعَلَ لَهُمْ مِنْهُ نَارًا وَأَوْقَدَ مِنْهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ وَاصْطَلَوْا بِهَا، وَشَكَرُوا اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَوُا عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، وَفِي ذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ﴾، وَاعْلَمْ أَيُّهَا السَّائِلُ الكَرِيمُ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ثَابِتَةٌ فِي كُتُبِ الشِّيعَةِ أَيْضًا، وَيَقُولُونَ إِنَّهَا مَنْقَبَةٌ مِنْ مَنَاقِبِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَمُعْجِزَةٌ مِنْ مَعَاجِزِهِ.




