قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ جَلَّ ذِكْرُهُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِكُمْ مِائَتَا فَرْسَخٍ وَخَمْسُونَ، قَالَ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَالَ عَمَّارُ: فَمَدَّ يَدَهُ وَهُوَ عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ، وَرَدَّهَا وَفِيهَا قِطْعَةٌ مِنَ الثَّلْجِ تَقْطُرُ مَاءً، ثُمَّ قَالَ لِدَايَةِ الكُوفَةِ (وَاسْمُهَا لُبْنَى): ضَعِي هَذَا الثَّلْجَ مِمَّا يَلِي فَرْجَ هَذِهِ الجَارِيَةِ سَتَرْمِي عَلَقَةً وَزْنُهَا خَمْسَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا وَدَانِقَانِ، قَالَ: فَأَخَذَتْهَا وَخَرَجَتْ بِهَا مِنَ الجَامِعِ وَجَاءَتْ بِطَسْتٍ وَوَضَعَتِ الثَّلْجَ عَلَى المَوْضِعِ مِنْهَا، فَرَمَتْ عَلَقَةً كَبِيرَةً فَوَزَنَتْهَا الدَّايَةُ فَوَجَدَتْهَا كَمَا قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: خَمْسَةً وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا وَدَانِقَانِ، وَأَقْبَلَتِ الدَّايَةُ مَعَ الجَارِيَةِ فَوَضَعَتِ العَلَقَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: وَزَنْتِيهَا؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ وَهِيَ كَمَا ذَكَرْتَ، فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّة مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾، ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا الغَضَبِ خُذِ ابْنَتَكَ، فَوَاللهِ مَا زَنَتْ وَلَكِنْ دَخَلَتِ المَوْضِعَ فَدَخَلَتْ فِيهَا هَذِهِ العَلَقَةُ وَهِيَ بِنْتُ عَشْرِ سِنِينَ فَرَبَتْ فِي بَطْنِهَا إِلَى وَقْتِنَا هَذَا، فَنَهَضَ أَبُوهَا وَهُوَ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ تَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا فِي الضَّمَائِرِ.
وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ السَّيِّدَ مُحَمَّدًا جَلَّ ذِكْرُهُ كَانَ يَعْتَمِدُ فِي مُلِمَّاتِهِ وَحَرْبِهِ عَلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ جَلَّ ذِكْرُهُ شَأْنَهُ فِي ذَلِكَ شَأْنُ كَافَّةِ الرُّسُلِ مَعَ شُعُوبِهِمْ حَيْثُ كَانَ الشَّاكُّونَ يَطْلُبُونَ مِنَ الرُّسُلِ مَعَاجِزَ قَاهِرَةً، يُرِيدُونَ بِذَلِكَ تَكْذِيبَهُمْ وَدَحْضَ حُجَّتِهِمْ وَإِبْطَالَ رِسَالَتِهِمْ، وَلَكِنَّ اللهَ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ.




