وَكُلٌّ يَتَحَرَّكُ نَحْوَ عِلَّتِهِ بِحَرَكَةٍ شَوْقِيَّةٍ لَا حُدُودَ لَهَا، وَإِنَّ رُوحَ المُؤْمِنِ تَخْتَارُ العَالَمَ الأَعْلَى لِكَوْنِهَا مُنَزَّهَةً عَنْ عَالَمِ الحِسِّ، لِقَوْلِ قُسِّ بْنِ سَاعِدَة الإِيَادِيِّ أُسْقُفِ نَجْرَانَ:
وَلَمْ تَرْضَ فِي الدُّنْيَا مُقَامًا وَآثَرَتْ | حَقِيقَةَ مَمْثُولٍ وَجَلَّتْ عَنِ المِثْلِ |
فَالمَمْثُولُ كَمَا يَقُولُ شَارِحُ الدِّيوَانِ: هُوَ العَالَمُ الأَعْلَى الخَالِدُ البَقَاءِ وَالمِثْلُ هُوَ العَالَمُ الأَدْنَى وَهُوَ المِثَالُ لَهُ، وَسُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ آدَمَ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ.
وَعَنِ المُفَضَّلِ بَابِ الرَّحْمَةِ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ جَلَّ ذِكْرُهُ قَالَ: «وَاعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ، إِنَّ أَرْوَاحَ المُؤْمِنِينَ المُقَرَّبِينَ مَرْفُوعَةٌ مُوَافِقَةٌ لأَرْوَاحِ المَلَائِكَةِ، وَأَمَّا أَرْوَاحُ الأَبَالِسَةِ وَالشَّيَاطِينِ الرِّجْسِينَ الخَبِيثِينَ فَهِيَ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ النَّارُ الَّتِي خُلِقَتْ مِنَ الشَّكِّ، وَالَّتِي خُلِقَ مِنْهَا إِبْلِيسُ رُوحًا بِلَا بَدَنٍ، لَا إِلَى السَّمَاءِ مَرْفُوعٌ وَلَا إِلَى الأَرْضِ مَهْبُوطٌ، بَلْ هُوَ قَائِمٌ فِي الهَوَاءِ وَالرَّبُّ مُحْتَجِبٌ عَنْهُ».
وَفِي هَذَا يَقُولُ السَّيِّدُ مُحَمَّد الكُلَازِي قَدَّسَهُ اللهُ: «كَانَ إِبْلِيسُ نُورًا فَأَظْلَمَ» أَيْ أَنَّهُ كَانَ عَلَى نُورِ الإِسْلَامِ، وَأَظْلَمَ لإِنْكَارِهِ الحَقَّ المُبِينَ، وَنُورُهُ هُوَ بَشَرِيَّتُهُ وَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ ظُلْمَةٌ مُطْلَقَةٌ وَهُوَ أَصْلُ المَعَاصِي وَالشُّرُورِ.




