ثُمَّ نَظَرَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِلَى جُمْجُمَةٍ نَخِرَةٍ فَقَالَ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ: خُذْ هَذِهِ الجُمْجُمَةَ، وَكَانَتْ مَطْرُوحَةً وَجَاءَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِلَى الإِيوَانِ وَجَلَسَ فِيهِ، وَدَعَا بِطَسْتٍ وَصَبَّ فِيهِ مَاءً، وَقَالَ لَهُ: ضَعْ هَذِهِ الجُمْجُمَةَ فِي الطَّسْتِ، ثُمَّ قَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيَّتُهَا الجُمْجُمَةُ! أَخْبِرِينِي مَنْ أَنَا وَمَنْ أَنْتِ؟ فَنَطَقَتِ الجُمْجُمَةُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ فَقَالَتْ: أَمَّا أَنْتَ فَأَمِيرُ المُؤْمِنِينَ وَسَيِّدُ الوَصِيِّينَ وَإِمَامُ المُتَّقِينَ فِي الظَّاهِرِ وَالبَاطِنِ، وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُوصَفَ؛ وَأَمَّا أَنَا فَعَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَةِ اللهِ كِسْرَى أَنُوشِرْوَان، فَانْصَرَفَ القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ مِنْ أَهْلِ سَابَاطَ مِنَ المَدَائِنِ إِلَى أَهَالِيهِمْ، وَأَخْبَرُوهُمْ بِمَا كَانَ وَمَا قَدْ سَمِعُوهُ مِنَ الجُمْجُمَةِ، فَاضْطَرَبُوا وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَزَّ عِزُّهُ.
وَرِوَايَةٌ أُخْرَى (وَهِيَ مِمَّا وَرَدَ فِي الرِّسَالَةِ المِصْرِيَّةِ) عَنِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللهِ عَنْ رِجَالِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَعَنْهُمْ: أَنَّ أُبَيًّا بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ حَضَرَ فِي مَحْفَلِ الجَاهِلِيَّةِ، فَتَذَاكَرُوا حَالَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ جَلَّ ذِكْرُهُ فَقَالَ أُبَيٌّ لَعَنَهُ اللهُ: يَا عَرَبُ! وَاللَّاتِ وَالعُزَّى لَأُسْكِتَنَّ مُحَمَّدًا غَدًا، وَلَأَدْعُوَنَّهُ إِلَى أَمْرٍ يَعْجِزُ عَنْهُ سِحْرُهُ فَإِذَا أَنَا غَدَوْتُ فَاغْدُوا مَعِي بِأَجْمَعِكُمْ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ لَعَنَهُ اللهُ أَتَى إِلَى رَسُولِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَمَعَهُ مُشْرِكُو العَرَبِ الَّذِينَ كَانُوا بِمَكَّةَ فَأَخْرَجَ أُبَيٌّ لَعَنَهُ اللهُ فَكَّ جَمَلٍ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَيَقْدِرُ رَبُّكَ أَنْ يُحْيِيَ هَذَا الفَكَّ وَيُعِيدَهُ خَلْقًا سَوِيًّا؟




