وَقَالَ أَفْلَاطُونُ: «إِذَا فَرَضْنَا أَنَّ الوَاحِدَ وَاحِدٌ فَهُوَ يُرْذِلُ كُلَّ كَثْرَةٍ وَبِالتَّالِي لَيْسَ لَهُ أَقْسَامٌ وَلَيْسَ هُوَ كُلًّا لَا حَصْرَ لَهُ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ وَلَيْسَ لَهُ أَيُّ صُورَةٍ، فَلَيْسَ مِنْ ثَمَّةَ لَا حَاوِيًا وَلَا مَحْوِيًّا وَبِالتَّالِي لَيْسَ فِي مَكَانٍ مَا، لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي غَيْرِ ذَاتِهِ»، إِنَّ المَعْنَى أَحَدٌ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ، وَاسْمَهُ وَاحِدٌ أَبَدًا وَبَابَهُ وَحْدَانِيَّةٌ أَبَدًا، وَفْقًا لِلْقَانُونِ الوَارِدِ فِي رِسَالَةِ شَيْخِ الدِّينِ السَّيِّدِ أَبِي عَبْدِ اللهِ الحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ نَضَّرَ اللهُ وَجْهَهُ، وَإِذَا كَانَ الفَيْلَسُوفُ أَفْلَاطُونُ أَشَارَ بِكَلِمَةِ (وَاحِدٍ) عَلَى البَارِي ذَاتِهِ، فَإِنَّ البَارِيَ لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ فِي حَدِّ القِدَمِيَّةِ المُطْلَقَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ، وَصَارَتْ لِلْبَارِي صُورَةٌ لِحَاجَةِ خَلْقِهِ إِلَيْهَا، وَظَهَرَ البَارِي بَيْنَ خَلْقِهِ لِيُؤْخَذَ بِآدَابِهِ وَآثَارِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يَتَحَوَّلُ وَلَا يَتَصَوَّرُ وَلَا يَنْتَقِلُ عَنْ كِيَانِهِ، فَرْدٌ أَوْجَدَ الكَثْرَةَ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنْهَا وَهِيَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَيْهِ، وَهُوَ نَوْعٌ وَاحِدٌ وَغَيْرُهُ تَدْخُلُ فِيهِ النَّوْعِيَّةُ، لَا يَحْصُرُهُ شَيْءٌ لِأَنَّ المَحْصُورَ مَخْلُوقٌ وَهُوَ صَمَدٌ لَا جَوْفَ لَهُ جُزْءٌ أَصَمُّ، فَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ يَحْتَوِي عَلَى شَيْءٍ وَبِالتَّالِي فَلَا شَيْءَ أَكْبَرُ مِنْهُ فَيَحْصُرُهُ وَيَحْوِيهِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ فِي مَكَانٍ فَيَكُونُ المَكَانُ مُحِيطًا بِهِ، لِأَنَّهُ قَبْلَ المَكَانِ فَهُوَ لَيْسَ فِي ذَاتِهِ حَالًّا فَيَكُونُ غَيْرَهَا وَلَا يَحِلُّ فِي ذَاتِ غَيْرِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الغَيْرُ حَاوِيًا لَهُ، أَيْ لَيْسَ لَهُ حِجَابٌ غَيْرُ حِجَابِ ذَاتِهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ: "إِنَّ حُجُبِي كَثِيرَةٌ، فَمَنْ عَبَدَنِي بِهَا كُلِّهَا فَقَدْ ضَلَّ، وَسَأَخْتَارُ مِنْهَا حِجَابًا لَا يُفَارِقُنِي وَلَا أُفَارِقُهُ، فَمَنْ عَبَدَنِي بِهِ فَقَدْ وَحَّدَ"، وَأَرَادَ مِنْهُ بِذَلِكَ: أَنَّهُ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بِذَاتِهِ لَا بِشَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ، وَإِذَا كَانَ للهِ مَثَلٌ فَهُوَ هُوَ وَحِجَابُهُ الذَّاتِيُّ هُوَ عَيْنُ ذَاتِهِ، فَالصُّورَةُ المَرْئِيَّةُ هِيَ الغَايَةُ الكُلِّيَّةُ فِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ، لَا فِي الصِّفَةِ وَالمَنْظَرِ.




