وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ يُوَافِقُنَا أَفْلَاطُونُ بِقَوْلِهِ: «وَالمَوْجُودُ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَجَانِسٍ فَلَيْسَ هُنَا فَائِضٌ قَدْ يَفْصِمُ اتِّصَالَهُ، وَلَيْسَ هُنَاكَ نَاقِصٌ قَدْ يَشُوبُ ذَلِكَ الاتِّصَالَ» وَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ: أَنَّ المَوْجُودَ يُلَاصِقُ المَوْجُودَ، وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُودِ الوَاحِدِ مُجَانِسًا لِغَيْرِهِ أَنْ نُثْبِتَ عَلَيْهِ صِفَاتِ الغَيْرِ، لِأَنَّ وُجُودَهُ تَامٌّ مُطْلَقٌ لَا نَقْصَ فِيهِ وَلَا زِيَادَةَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ المُجَانَسَةَ مَجَازًا لَا حَقِيقَةً، وَهِيَ الوُجُودُ كَالمَوْجُودِ، وَلَا يَصِحُّ فِي حُكْمِ العَقْلِ أَنْ نَقُولَ: إِنَّ جِنْسَ الخَالِقِ مِنْ جِنْسِ المَخْلُوقِ، وَهَذَا هُوَ الكُفْرُ الصُّرَاحُ: أَنْ نَجْعَلَ الخَالِقَ كَالمَخْلُوقِ وَالرَّبَّ كَالمَرْبُوبِ.
وَيُضِيفُ أَفْلَاطُونُ قَائِلًا: «وَالوَاحِدُ –عَلَى اعْتِبَارٍ آخَرَ– صَمَدٌ لَا يَتَحَوَّلُ فِي نِطَاقِ الأَوْصَادِ العُظْمَى، وَهُوَ مَوْجُودٌ وَأَنَّهُ بِلَا نِهَايَةٍ وَلَا بِدَايَةٍ» وَالوَاحِدُ المَوْجُودُ لَا يَعْنِي وُجُودُهُ أَنَّهُ انْتَقَلَ عَنْ كِيَانِهِ وَحَدِّ القِدَمِيَّةِ المُطْلَقِ لِأَنَّهُ كَانَ وَلَا مَكَانَ إِلَّا مَكَانَهُ، وَالبَارِي أَحَدٌ مِنْ كُلِّ الوُجُودِ وَنَدْعُوهُ بِاسْمِهِ الوَاحِدِ، وَعَلَى هَذَا الاعْتِبَارِ فَالوَاحِدُ لَهُ بِدَايَةٌ وَلَهُ نِهَايَةٌ فِي أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ وَالمَوْجُودُ كَامِلٌ لَا يَنْقُصُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ يَنْقُصُهُ شَيْءٌ فَيَنْقُصُهُ كُلُّ شَيْءٍ فَالبَارِي إِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ تَحْقِيقِ أَمْرٍ مَا فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَاجِزًا فِي كُلِّ الأُمُورِ وَتُسْلَبُ عَنْهُ صِفَةُ الرُّبُوبِيَّةِ، لِأَنَّ الرَّبَّ المَعْبُودَ عِلْمٌ كُلُّهُ وَقُدْرَةٌ كُلُّهُ وَنُورٌ كُلُّهُ وَلَا يَجُوزُ بِحُكْمِ العُقُولِ أَنْ يُوصَفَ بِالعَجْزِ، وَلَكِنَّهُ أَبْدَى العَجْزَ تَلْبِيسًا عَلَى الَّذِينَ نَسَبُوا قُدْرَتَهُ إِلَى السِّحْرِ، وَلَكِنَّ العَجْزَ عِنْدَ العَارِفِينَ مِنَ القَادِرِ قُدْرَةٌ.




