وَيَقُولُ أَفْلَاطُونُ: «هَلِ الوَاحِدُ مَوْجُودٌ وَهَلِ الوَاحِدُ غَيْرُ مَوْجُودٍ؟» وَيَشْتَرِكُ مَعَنَا ذَلِكَ الفَيْلَسُوفُ العِمْلَاقُ فِي فَكِّ هَذَا الرَّمْزِ بِقَوْلِهِ: أَمَامَنَا ثَلَاثُ فَرَضِيَّاتٍ هِيَ: إِنَّ الوَاحِدَ وَاحِدٌ وَهَذَا مَوْقِفٌ جَذْرِيٌّ، وَإِنَّ الوَاحِدَ مَوْجُودٌ وَهَذَا مَوْقِفٌ نِسْبِيٌّ، وَإِنَّ الوَاحِدَ وَحْدَةٌ وَكَثْرَةٌ، وَأَنَّهُ لَا وَحْدَةٌ وَلَا كَثْرَةٌ، وَأَنَّهُ مُشَارِكٌ فِي الوُجُودِ وَلَا مُشَارِكٌ؟ وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الوَاحِدَ وَاحِدٌ فِي كُلِّ الحَالَاتِ عِنْدَمَا يَشْتَرِكُ فِي المَوْجُودَاتِ، وَإِذَا لَمْ يَشْتَرِكْ بِهَا فَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ وَاشْتِرَاكُهُ فِيهَا يَعْنِي وُجُودَهُ، وَالأَشْيَاءُ هُوَ مَنْسُوبٌ إِلَيْهَا بِفِعْلِهِ فِيهَا وَلَيْسَتْ هِيَ مُضَافَةً إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الإِضَافَةَ، فَهُوَ وَحْدَةٌ لَا كَثْرَةٌ فِي حَقِيقَةِ الأَمْرِ فَقِيمَةُ العَدَدِ وَاحِدٍ هِيَ وَاحِدٌ بِإِضَافَتِهَا إِلَى أَيِّ عَدَدٍ آخَرَ، وَبِالتَّالِي فَالوَاحِدُ كَثْرَةٌ لَا وَحْدَةٌ لِأَنَّهُ حِكْمَةٌ يَجْرِي فِي الكُلِّ وَلَا يَقُومُ عَدَدٌ لَيْسَ فِيهِ وَاحِدٌ، كَأَنْ نَقُولَ: لَا يَقُومُ الكَائِنُ إِذَا فَقَدَ أَحَدَ الأَرْكَانِ الأَرْبَعَةِ الَّتِي يَتَرَكَّبُ مِنْهَا (الهَوَاءَ وَالمَاءَ وَالنَّارَ وَالتُّرَابَ)، وَقَدْ قَدَّمْنَا بَيَانَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِنَا عَنِ الصُّورَةِ المُحْدَثَةِ فِي مُقَدِّمَةِ هَذِهِ المَسْأَلَةِ.
وَمِنْ فَلْسَفَةِ أَفْلَاطُونَ: «إِنَّ الوُجُودَ غَيْرُ مَوْلُودٍ لَا يَقْبَلُ التَّجْزِئَةَ، فَرِيدٌ لَا حَدَّ لِوُجُودِهِ»، وَرُبَّمَا أَرَادَ أَفْلَاطُونُ بِالوُجُودِ ذَلِكَ الوَاحِدَ المَوْجُودَ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ لِكَوْنِهِ وَاحِدًا كَمَا أَسْلَفْنَا، وَهُوَ فَرِيدٌ سَرْمَدِيٌّ أَيْ مُنْفَرِدٌ عَنِ المَوْجُودَاتِ الأُخْرَى المُحْدَثَةِ، وَمِنَ البَدِيهِيِّ أَنْ لَا يَتَوَلَّدَ شَيْءٌ مِنَ اللَّامَوْجُودِ وَعِنْدَمَا نَقُولُ: الوَاحِدُ مَوْجُودٌ يَعْنِي إِمْكَانِيَّةَ وُجُودِ المَوْجُودَاتِ،




