وَالبَارِي عَزَّ عِزُّهُ مُحِيطٌ وَلَا يُحَاطُ بِهِ، وَكَذَلِكَ اسْمُهُ الخَالِقُ بِأَمْرِ بَارِيهِ لَا يُحِيطُ بِهِ إِلَّا ذَلِكَ البَارِي، الَّذِي لَهُ الوُجُودُ المُطْلَقُ وَلِغَيْرِهِ مُمْكِنٌ وَمِنَ الثَّابِتِ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ وَالتَّدْقِيقِ فِي المَسَائِلِ الرُّوحِيَّةِ: إِنَّ العَنَاصِرَ الكَوْنِيَّةَ أَيِ الأَجْرَامَ العُلْوِيَّةَ إِذَا تَلَاشَتْ تَعُودُ إِلَى الاسْمِ العَظِيمِ لِذِكْرِهِ الجَلَالَةُ وَالتَّعْظِيمُ وَأَمَّا الاسْمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالوَاحِدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَلَاشَى لِأَنَّ مَعْدِنَهُ لَا يَتَجَزَّأُ وَلَا يَقْبَلُ الإِضَافَةَ، بَلْ يَعُودُ الاسْمُ مَغْمُورًا تَحْتَ بَوَارِقِ نُورِ ذَاتِ بَارِيهِ.
وَقَالَ أَفْلَاطُونُ أَيْضًا: «إِنْ قَدْ ظَهَرَ لَنَا مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ مَوْجُودًا فِي ذَاتِهِ كَكُلٍّ، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ فِي المَوْجُودَاتِ الأُخْرَى فَلَا يُلَامِسُهَا، وَمِنْ حَيْثُ هُوَ فِي ذَاتِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْ مُلَامَسَةِ الأَشْيَاءِ الأُخْرَى، وَهُوَ عِنْدَئِذٍ يُلَامِسُ ذَاتَهُ لِوُجُودِهِ فِي ذَاتِهِ»، وَرُبَّمَا أَرَادَ بِالمُلَامَسَةِ الوُجُودَ، أَيْ تَجَلِّيهِ لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ وَهُوَ بِهَذَا التَّجَلِّي يُبَايِنُ الخَلْقَ بِمُعْجِزَاتِهِ الخَارِقَةِ، فَيُلَامِسُ المَوْجُودَاتِ بِظُهُورِهِ بِأَنْ مَكَّنَهُمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَبِالتَّالِي فَهُوَ يُلَامِسُ ذَاتَهُ: أَيْ أَنَّ لَهُ كِيَانًا لَا يَنْتَقِلُ عَنْهُ بِالحَقِيقَةِ، وَهَذَا الكِيَانُ ثَابِتٌ لَهُ قَبْلَ هَذِهِ المَوْجُودَاتِ، وَلِذَلِكَ أَشَارَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ إِلَى ذَلِكَ: ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيما﴾ أَيْ هُوَ المُتَجَلِّي لَكُمْ بِحُلَّتِكُمْ لِيَثْبُتَ الوُجُودُ وَيَصِحَّ العِيَانُ، وَإِنَّ الصُّوَرَ عَلَامَةُ الوُجُودِ.




