وَنَنْتَقِلُ إِلَى نُقْطَةٍ أُخْرَى: هِيَ القَوْلُ فِي نُشُوءِ العَدَدِ وَالاعْتِقَادِ بِالوَاحِدِ عِنْدَ فَلَاسِفَةِ اليُونَانِ وَتَحْلِيلُ ذَلِكَ وَمُقَارَنَةٌ وَاضِحَةٌ مَعَ عُلُومِ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لِلْوُقُوفِ عَلَى الحَقِيقَةِ، إِنَّ الفَلَاسِفَةَ اليُونَانَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الوَاحِدَ أَصْلُ الأَعْدَادِ، وَالعَدَدَ التَّامَّ لَا يَنْفَكُّ عَنِ الفَرْدِ وَالزَّوْجِ، وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ أَقَامُوا ثَالُوثَهُمُ المُقَدَّسَ (العَقْلَ وَالعَاقِلَ وَالمَعْقُولَ) وَهُمُ البَارِي وَالعَقْلُ وَالنَّفْسُ وَيَعْتَبِرُ فِيثَاغُورْسُ أَنَّ العَدَدَ المُفْرَدَ تَامٌّ لِكَوْنِهِ يَجْمَعُ الفَرْدَ (وَهُوَ الوَتْرُ) وَالزَّوْجَ (وَهُوَ الشَّفْعُ)، وَأَمَّا العَدَدُ الزَّوْجِيُّ فَهُوَ نَاقِصٌ، وَأَمَّا عِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ فَإِنَّ هَذَا التَّعْبِيرَ الوَاضِحَ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ تَوْحِيدٌ وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِيرَادِ البُرْهَانِ، وَمِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ الوَاحِدَ أَوَّلُ الأَعْدَادِ وَأَصْلُهَا، وَنَحْنُ نُعَبِّرُ عَنْهُ بِ"المِيمِ" لِذِكْرِهِ الجَلَالَةُ وَالتَّعْظِيمُ؛ فَهُوَ وَاحِدٌ لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَحَدٌ لَا يَحِلُّ فِي عَدَدٍ، فَالوَاحِدُ مِنْ حَيْثُ الاسْمِيَّةُ اسْمٌ مِنَ الأَسْمَاءِ الصِّفَاتِيَّةِ، وَمِنْ حَيْثُ الرَّقْمِيَّةُ فَهُوَ أَيْضًا وَاحِدٌ، وَهُوَ الَّذِي نُعَبِّرُ بِهِ عَنْ أَوَّلِ الأَعْدَادِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مُوجِدُهَا بِأَمْرِ بَارِيهِ وَدُخُولُهُ فِيهَا كَظُهُورِهِ بِالنُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ لِلْبَشَرِ كَالبَشَرِ بِصِفَةٍ بَشَرِيَّةٍ تَمْثِيلًا وَتَشْكِيلًا، وَهُوَ الكَوْنُ السَّابِعُ المَوْسُومُ بِقُدْسِ المَعْرِفَةِ، وَبِالتَّالِي فَإِنَّهُ أَوَّلُ المُخْتَرَعَاتِ مِنْ نُورِ ذَاتِ اللهِ وَهُوَ أَوَّلُ الأَيَّامِ.




