وَيَقُولُ أَفْلَاطُونُ: «إِنْ فَرَضَ أَحَدٌ قِيَامَ وُجُودٍ قَائِمٍ فِي ذَاتِهِ لِكُلِّ صُورَةٍ بِمُفْرَدِهَا، سَيُضْطَرُّ أَوَّلًا إِلَى الاعْتِرَافِ بِأَنَّ وَلَا وَاحِدَ مِنْ تِلْكَ المَوْجُودَاتِ فِينَا»، وَهَذَا كَلَامٌ لَا رَيْبَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ، حَيْثُ إِنَّ التَّشَابُهَ فِي حَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ أَنْ نَقُولَ إِنَّ صُورَةً مَا مُنْطَبِقَةٌ بِأَوْصَافِهَا الخَارِجِيَّةِ مَعَ صُورَةٍ صُورَةُ زَيْدٍ وَصُورَةُ عَمْرٍو وَكِلَاهُمَا صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَلَكِنَّهُمَا مُخْتَلِفَتَانِ حَتْمًا فِي البِنْيَةِ وَشَكْلِ البَشَرَةِ الجِلْدِيَّةِ وَسِمَاتِ الوَجْهِ، هَذَا فِيهِ سِرٌّ مُسْتَسِرٌّ يُشِيرُ إِلَى قُدْرَةِ الخَالِقِ وَإِتْقَانِ الصَّنْعَةِ، وَعَلَى هَذَا فَفِي الحَقِيقَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُشْبِهَ صُورَةٌ صُورَةً أُخْرَى، وَإِلَى جَانِبِ الصُّورَةِ تَبْرُزُ أَبَدًا صُورَةٌ أُخْرَى وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ شَبِيهَةً بِصُورَةٍ مَا، وَهِيَ مِنْ جَدِيدٍ صُورَةٌ غَيْرُهَا، وَلَمْ تَنْقَطِعْ أَبَدًا صُورَةٌ جَدِيدَةٌ عَنِ الحُدُوثِ إِنْ غَدَتِ الصُّورَةُ شَبِيهَةً بِمَا يُشْتَرَكُ فِي نَفْسِ الصُّورَةِ.
وَيَعْتَقِدُ سُقْرَاطُ أَنَّ الصُّورَةَ بِجُمْلَتِهَا وَاحِدَةٌ، وَفِي كُلٍّ مِنَ الأَشْيَاءِ الكَثِيرَةِ تَحِلُّ، وَقَدْ تَغْدُو مُفَارِقَةً هِيَ ذَاتُهَا لِذَاتِهَا، وَقَدْ لَا تَغْدُو مُفَارِقَةً، وَيَرُدُّ أَفْلَاطُونُ بِقَوْلِهِ: "إِنَّ الوَاحِدَ هُوَ عَيْنُهُ فِي أَمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ مَعًا، كَأَنَّكَ إِذَا غَطَّيْتَ يَا سُقْرَاطُ أُنَاسًا كَثِيرِينَ بِوِشَاحٍ تَقُولُ إِنَّهُ بِجُمْلَتِهِ هُوَ وَاحِدٌ عَلَى كَثِيرِينَ، وَكَذَلِكَ العَظَمَةُ هِيَ وَاحِدَةٌ وَلَكِنَّ العُظَمَاءَ كَثِيرُونَ"، وَعِنْدَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ آرَاءٌ وَمُعْتَقَدَاتٌ سَلِيمَةٌ ثَابِتَةٌ تُوَافِقُ هَذَا التَّعْبِيرَ تَمَامًا فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّوَاحِي المِيتَافِيزِيقِيَّةِ، حَيْثُ إِنَّ البَارِي أَوْرَى ذَاتَهُ لِخَلْقِهِ بِصُورَةٍ هِيَ مُتَعَدِّدَةٌ نَظَرًا لِتَعَدُّدِ الشُّعُوبِ وَالقَبَائِلِ وَتَعَاقُبِ الأَزْمِنَةِ وَالدُّهُورِ، سَبْعُ قِبَابٍ ذَاتِيَّةٍ مِنْ هَابِيلَ إِلَى عَلِيٍّ، مُخْتَلِفَةٌ فِي الصِّفَةِ وَالمَنْظَرِ وَوَاحِدَةٌ فِي الحَقِيقَةِ وَالجَوْهَرِ.




