مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْقَبَسُ الْمُنِيرُ - حَبِيبُ إِبْرَاهِيمُ حَسَنٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 117 من 158

وَيَقُولُ أَفْلَاطُونُ: "إِنَّ كُلَّ صُورَةٍ وَاحِدَةٌ، وَكُلَّ مَرَّةٍ يَتَهَيَّأُ لَنَا: إِنَّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً هِيَ كَبِيرَةٌ، وَإِنَّ نَظْرَةً وَاحِدَةً بِذَاتِهَا نُلْقِيهَا تَشْمَلُ هَذِهِ الأَشْيَاءَ كُلَّهَا، وَبِهَذَا يَكُونُ الاعْتِقَادُ بِأَنَّ الكَبِيرَ وَاحِدٌ، وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى الكَبِيرِ بِالذَّاتِ وَالأَشْيَاءِ الأُخْرَى الكَبِيرَةِ كُلِّهَا بِالرُّوحِ عَلَى النَّحْوِ عَيْنِهِ فَيَظْهَرُ مِنْ جَدِيدٍ كَبِيرٌ آخَرُ وَاحِدٌ بِهِ تَبْدُو حَتْمًا كُلُّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ كَبِيرَةً كَالعَظَمَةِ هِيَ وَاحِدَةٌ بِذَاتِهَا وَلَكِنَّ العُظَمَاءَ كَثْرَةٌ"، وَفِي هَذَا يُشِيرُ إِلَى النَّظَرِ بِالرُّوحِ، أَيْ عَلَاقَةِ الصُّوَرِ مِنَ النَّاحِيَةِ الرُّوحِيَّةِ، وَعِنْدَنَا وَلَا شَكَّ عِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ أَفْلَاطُونُ عَنِ الصُّورَةِ الفَرِيدَةِ صَانِعَةِ الصُّوَرِ، ثُمَّ يَقُولُ (صُوَرٌ أُخْرَى مُشَابِهَةٌ لَهَا) فَلَا يَهْدِفُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّ هَذَا العَالَمَ الَّذِي يُسَمِّيهِ مَا وَرَاءَ الطَّبِيعَةِ (مَرَاتِبُ وَدُرَجٌ) مُتَفَاوِتَةٌ فِي القِدَمِ، وَلَا يَسْتَوِي اثْنَانِ فِي دَرَجَةٍ، وَإِنَّ رَحْمَةَ اللهِ تَشْمَلُ الجَمِيعَ، وَتَعَالَى اللهُ أَنْ يُحِيطَ بِهِ شَيْءٌ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، بِعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ.

وَقَالَ الصَّادِقُ جَلَّ ذِكْرُهُ: «مَنْ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ صُورَةٌ يُوشِكُ أَنْ لَا يَكُونَ شَيْئًا»، فَلَهُ سُبْحَانَهُ صُورَةٌ، وَلِاسْمِهِ صُورَةٌ، وَلِبَابِهِ صُورَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ دَوْلَتِهِ صُورَةٌ، وَلِلنَّارِ صُورَةٌ وَلِلْمَاءِ صُورَةٌ وَلِلتُّرَابِ صُورَةٌ... إِلَخْ، وَلَا يُعْرَفُ الشَّيْءُ إِلَّا بِصُورَتِهِ، وَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ بَيْنَ البَشَرِ لَكَانَ عَلَيْهِ حُجَّةٌ لِمَنْ كَفَرَ، وَلِكَيْ يَثْبُتَ الوُجُودُ وَيَصِحَّ العِيَانُ، وَتَقَعَ العِبَادَةُ عَلَى حَاضِرٍ مَوْجُودٍ لَا عَلَى غَائِبٍ مَفْقُودٍ، ظَهَرَ جَلَّ ذِكْرُهُ بِصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ وَمَكَّنَ الخَلْقَ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ، وَكُلٌّ يَرَاهُ بِقَدْرِ طَاقَتِهِ وَبَسِيطِ جَوْهَرِهِ، وَكَمَا نَعْلَمُ أَنَّ أَفْلَاطُونَ وَغَيْرَهُ مِنْ فَلَاسِفَةِ اليُونَانِ يَقُولُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ الوَاحِدِ، وَأَنَّ هَذَا الوَاحِدَ لَهُ صُورَةٌ، وَبِذَلِكَ يُوَافِقُونَنَا فِي هَذَا الرَّأْيِ.

الصفحة 117 من 158