مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

الْقَبَسُ الْمُنِيرُ - حَبِيبُ إِبْرَاهِيمُ حَسَنٌ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 115 من 158

وَأَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ قَوْلُهُ (فِي الصُّورَةِ)، فَالصُّورَةُ عِنْدَ أَفْلَاطُونَ تُشَكِّلُ وَحْدَةً تَأْلِيفِيَّةً، وَبِالتَّالِي فَهِيَ مَفْهُومٌ، وَالصُّورَةُ نَمُوذَجٌ، وَيُتَرْجَمُ هَذَا القَوْلُ بِأَنَّ كُلَّ الصُّوَرِ المُتَرَابِطَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ تَمْلِكُ وُجُودَهَا فِي صِلَتِهَا، وَلَيْسَ فِي صِلَتِهَا بِمَا عِنْدَنَا مِنْ أَشْيَاءَ، وَإِنَّ الصُّورَةَ قَائِمَةٌ فِي ذَاتِهَا لِلْعَدْلِ وَالجَمَالِ وَالخَيْرِ وَكَذَلِكَ: إِنَّ كُلَّ صُورَةٍ هِيَ وَاحِدَةٌ، وَيَقُولُ سُقْرَاطُ: "إِنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ تَنْتَصِبُ فِي الطَّبِيعَةِ بِمَثَابَةِ نَمَاذِجَ، وَإِنَّ الأَشْيَاءَ الأُخْرَى تُمَاثِلُهَا وَإِنَّهَا أَشْيَاءُ لَهَا".

وَعِنْدَنَا: مَاذَا نَفْهَمُ مِنْ هَذَا القَوْلِ؟ لَا شَكَّ أَنَّ أَفْلَاطُونَ يَتَحَدَّثُ أَوَّلًا عَنِ الصُّورَةِ السَّرْمَدِيَّةِ دَائِمَةِ البَقَاءِ الَّتِي لَا تَحُولُ وَلَا تَزُولُ عَنِ الكِيَانِ، وَهِيَ مُوجِدَةُ الصُّوَرِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ فِيهَا السَّيِّدُ أَبُو عَبْدِ اللهِ نَزَّهَ اللهُ شَخْصَهُ «صُورَةٌ لَا كَالصُّوَرِ»، وَقَالَ أَيْضًا «صُورَةٌ لَا مُصَوِّرَ لَهَا»، وَإِنَّ البَارِيَ تَعَالَى ظَهَرَ بِصُورَةٍ مَرْئِيَّةٍ لِلْبَشَرِ كَالبَشَرِ تَمْثِيلًا وَتَشْكِيلًا لِتَقْرُبَ الصُّورَةُ مِنَ الصُّورَةِ وَلِيَفْهَمَ الخَلْقُ عَنْهُ أَوَامِرَهُ وَنَوَاهِيَهُ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الَّتِي عَبَّرَ عَنْهَا سُقْرَاطُ بِأَنَّهَا نُصِبَتْ لِلْعَدْلِ وَالجَمَالِ وَالخَيْرِ، وَبِالتَّالِي إِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ لَا شَبِيهَ لَهَا فِي الحَقِيقَةِ وَلَا نَظِيرَ وَلَا عَدِيلَ، وَيَرَى أَفْلَاطُونُ الفَيْلَسُوفُ كَمَا نَرَى نَحْنُ: إِنَّ الصُّورَةَ المُتَفَرِّدَةَ بِالعِلْمِ وَالقُدْرَةِ هِيَ صُورَةُ البَارِي سُبْحَانَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ كَانَتْ قَبْلَ الصُّوَرِ، فَهِيَ عِلَّةُ العِلَلِ؛ أَيْ كَانَتْ قَبْلَ الحُدُوثِ وَالتَّكْوِينِ.

الصفحة 115 من 158