وَنَحْنُ نَسْأَلُ أَصْحَابَ نَظَرِيَّةِ النُّشُوءِ وَالارْتِقَاءِ: مَا هُوَ العَمَلُ النَّبِيلُ الَّذِي قَامَ بِهِ القِرْدُ حَتَّى كَافَأَهُ اللهُ بِأَنْ رَقَّاهُ إِلَى صُورَةِ الإِنْسَانِ؟ وَلَكِنْ لَوْ سَأَلْنَا هَؤُلَاءِ: مَاذَا فَعَلَ هَذَا الإِنْسَانُ حَتَّى مَسَخَهُ اللهُ قِرْدًا؟ فَنَقُولُ لَهُ بِكُلِّ بَسَاطَةٍ قَوْلًا نُقْنِعُهُ بِهِ وَنَدْحَضُ حُجَّتَهُ وَنُبْطِلُ دَعْوَتَهُ، قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ يس: ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّا وَلَا يَرۡجِعُونَ﴾، فَالخِطَابُ فِي هَذِهِ الآيَةِ لِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ وَلَيْسَ لِلْحَيَوَانَاتِ، وَحَاشَا للهِ أَنْ يُخَاطِبَ مَنْ لَيْسَ فِيهِ عَقْلٌ أَوْ يُثْبِتَ الحُجَّةَ عَلَيْهِ، إِلَّا مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الصُّورَةِ وَبَعْدَ مَعْرِفَةٍ وَإِنْكَارٍ، وَجَاءَ فِي سُورَةِ المَائِدَةِ: ﴿وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّ مَّكَانا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ﴾، وَالخِطَابُ هُنَا أَيْضًا وَاقِعٌ عَلَى مَنْ سَقَطَ مِنْ هَذِهِ الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ إِلَى المَسُوخِيَّةِ فَالطَّاغُوتُ هُوَ الضَّالُّ المُضِلُّ إِبْلِيسُ الأَبَالِسَةِ وَفِرْعَوْنُ الفَرَاعِنَةِ، وَالقِرَدَةُ وَالخَنَازِيرُ حِزْبُهُ الَّذِينَ مَسَخَهُمُ اللهُ لِكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ.
وَمِنْ سُورَةِ الأَنْعَامِ: ﴿وَمَا مِن دَآبَّة فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِر يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡء ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ﴾، وَفِي هَذِهِ الآيَةِ أَيْضًا يُؤَكِّدُ لَنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ مَسَخَ هَؤُلَاءِ المُجْرِمِينَ فِي أَصْنَافِ الحَيَوَانَاتِ وَهَوَامِّ الأَرْضِ وَالحَشَرَاتِ وَالطُّيُورِ المُخْتَلِفَةِ، وَلِكَثْرَةِ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ أَنْوَاعِ العَذَابِ فِي صُنُوفِ المَسُوخِيَّةِ سَمَّاهُمْ أُمَمًا وَهُمْ مُسُوخٌ، كَمَا كَانُوا فِي البَشَرِيَّةِ أُمَمًا كَافِرَةً فَاجِرَةً، قَبَائِلَ وَشُعُوبًا خَالَفَتِ الأَنْبِيَاءَ وَحَارَبَتِ الأَوْصِيَاءَ.




