[تَنْزِيهُ الْخَاصَّةِ لِلْبَارِي عَنْ لَوَازِمِ الْبَشَرِيَّةِ]
وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يُنَزِّهْهُ إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالْأَوْلِيَاءُ، وَالْمُؤْمِنُونَ الْعَارِفُونَ نَزَّهُوهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ جَرَى عَلَيْهِ فِي أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ، وَلَمْ يُنَزِّهُوهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَجْرِ مِنْهُ.
بَلْ إِنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا لَهُ أَبًا وَأُمًّا وَأَوْلَادًا نَزَّهُوهُ؛ كَمَا نَزَّهَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَلَمَّا رَأَوْا لَهُ زَوْجَةً نَزَّهُوهُ عَنْ ذَلِكَ؛ كَمَا قَالَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾.
وَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ أَوْرَى الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ، وَالزَّوْجَةَ وَالْأَوْلَادَ، وَالْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ، وَالْخَالَاتِ وَالْعَمَّاتِ، وَالْآبَاءَ وَالْأُمَّهَاتِ، وَالْإِخْوَةَ وَالْأَخَوَاتِ، وَجَمِيعَ الْآلَاتِ؛ فَمَا عَرَفَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَلَا الْكَافِرُونَ إِلَّا لَمَّا ظَهَرَتْ مِنْهُ الْمُعْجِزَاتُ وَالْآيَاتُ وَالْقُدَرُ الْبَاهِرَاتُ فِي الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتِ.
وَقَدْ صَحَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الْإِشَارَةُ وَالتَّنْزِيهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا ظَاهِرِينَ مَعَهُ بِظُهُورِهِ، وَهُمُ الْعَالَمُ النُّورَانِيُّ، فَمَا قَلَبَ أَبْصَارَهُمْ، وَلَا حَالَ أَفْكَارَهُمْ، وَلَا اشْتَكَلَ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ فِي ظُهُورِهِ، فَنَزَّهَهُ الْمُؤْمِنُونَ وَعَرَّفَهُمْ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، وَلَا لَهُ زَوْجَةٌ وَلَا أَوْلَادٌ، وَنَزَّهُوهُ عَنِ الْإِحَاطَةِ وَالْإِدْرَاكِ، وَعَنِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ الْمَرْئِيَّاتِ.
وَقَالُوا: «إِنَّ اللَّهَ يَظْهَرُ فِي صَغِيرِ الْخَلْقِ وَكَبِيرِهِمْ؛ لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ عَلَى الْعِبَادِ، وَلِحَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ لَا لِحَاجَتِهِ إِلَيْهِمْ؛ لِيَثْبُتَ الظُّهُورُ وَيَصِحَّ الْعِيَانُ، وَإِنَّ الظُّهُورَ هُوَ الْبُطُونُ، وَالْبُطُونَ هُوَ الظُّهُورُ».




