[فِي مَعْنَى الظُّهُورِ وَالبُطُونِ]
وَمِنْ قَوْلِ الْمَوْلَى الصَّادِقِ جَلَّ ذِكْرُهُ وَقَدْ أَتَاهُ رَجُلٌ لِيَسْأَلَهُ عَنِ الْمَعْنَى: "هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُشَاكِلَ خَلْقَهُ؟"، فَقَالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَانَ ظَاهِرًا لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ".
وَإِذَا قُلْتَ: إِنَّ نُورَ الْبَارِي الَّذِي لَا يُحَدُّ وَلَا يُوصَفُ، وَلَا لَهُ شَبِيهٌ وَلَا نَظِيرٌ وَلَا مَثِيلٌ، وَلَا هُوَ شَبَحٌ وَلَا ظِلَالٌ، وَلَا هُوَ صُورَةٌ وَلَا مِثَالٌ، وَلَا لِلْقَائِلِ فِيهِ مَقَالٌ، وَلَا يَخْطُرُ عَلَى بَالٍ؛ [فَ]ذَلِكَ إِذَا كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ.
وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ «الرِّسَالَةِ الْجَوْهَرِيَّةِ»: وَقَدْ سُئِلَ الْمَوْلَى الْعَالِمُ جَلَّ ذِكْرُهُ عَنِ الْمَعْنَى: "هَلْ كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِ ظَاهِرًا أَمْ بَاطِنًا؟"، فَقَالَ: "لَا كَانَ ظَاهِرًا وَلَا بَاطِنًا؛ فَإِذَا كَانَ ظَاهِرًا فَلِمَنْ ظَهَرَ؟ وَإِذَا كَانَ بَاطِنًا عَنْ مَنْ بَطَنَ؟".
وَقَالَ صَاحِبُ «رِسَالَةِ الْفَتْقِ وَالرَّتْقِ»: "إِنَّ الْمَعْنَى تَعَالَى كَانَ وَلَا مَكَانَ، وَلَا دَهْرَ وَلَا زَمَانَ، وَلَا حَرَكَةَ وَلَا حِسَّ، وَلَا جَوْهَرَ وَلَا جِنْسَ، وَلَا فَتْقَ وَلَا رَتْقَ، وَلَا وَصْلَ وَلَا فَصْلَ؛ أَحَدًا أَزَلًا فَرْدًا صَمَدًا لَا شَيْءَ مَعَهُ وَلَا نَظِيرَ لَهُ، فَلَمَّا شَاءَ الْمَوْلَى تَعَالَى إِظْهَارَ الْمِيمِ -إِلَيْهِ التَّسْلِيمُ- وَأَمَرَهُ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ وَعَمَّرَهَا بِالْمَخْلُوقِينَ؛ ظَهَرَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ بِصُورَةٍ نُورَانِيَّةٍ عَلَى أَمْثَالِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ، وَظَهَرَ لِأَهْلِ الْأَرْضِ بِصُورَةٍ بَشَرِيَّةٍ كَمِثَالِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ، وَإِنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَحَقِيقَتِهِ لَا يُقَالُ لَهُ صُورَةٌ وَلَا نُورٌ وَلَا بَشَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نُورًا لَكَانَ لَهُ لَوْنٌ وَشَابَهَتْهُ الْأَنْوَارُ، وَلَوْ كَانَ بَشَرًا لَانْحَصَرَ وَشَابَهَتْهُ الْأَبْشَارُ".
وَلَكِنَّهُ كَمَا قَالَ مَوْلَانَا الصَّادِقُ عَزَّ عِزُّهُ: «وَاعْلَمْ يَا مُفَضَّلُ، إِنَّ الذَّاتَ لَا يُقَالُ لَهَا: نُورٌ؛ لِأَنَّهَا مُنِيرَةُ كُلِّ نُورٍ».




