[سَبَبُ الرِّسَالَةِ وَبِدَايَةُ الْمُذَاكَرَةِ]
إِنَّ سَبَبَ هَذِهِ الرِّسَالَةِ، وَالشَّوَاهِدِ وَالدَّلَالَةِ، عَلَى صِحَّةِ الْمَقَالَةِ وَالْإِبْعَادِ عَنِ الضَّلَالَةِ؛ فَقَدْ سَطَّرْنَا مَا عَلِمْنَا، وَبُحْنَا وَمَا كَتَمْنَا؛ لِئَلَّا نَكُونَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾.
وَسَبَبُ ذَلِكَ، أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الِاجْتِمَاعُ -نَحْنُ وَإِيَّاكَ- فِي مَدِينَةِ إِنْطَاكِيَةَ، وَجَرَتْ بَيْنَنَا الْمُذَاكَرَةُ، وَخُضْنَا بِشَيْءٍ مِنْ عُلُومِ اللَّهِ الْبَاطِنَةِ وَسِرِّ اللَّهِ الصَّمِيمِ، وَقَدِ اتَّصَلَ كَلَامُنَا إِلَى تَنْزِيهِ الْبَارِي -تَعَالَى ذِكْرُهُ وَجَلَّ قَدْرُهُ- فَكَانَ مِنْ كَلَامِنَا الَّذِي تَكَلَّمْنَاهُ:
"إِنَّ الْمَعْنَى تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ، وَإِنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الصُّورَتَيْنِ: الْبَشَرِيَّةِ وَالنُّورَانِيَّةِ، وَإِنَّهُ فِي بُطُونِهِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَلَا لَهُ صِفَةٌ وَلَا صُورَةٌ وَلَا لَوْنٌ، وَلَا شَبِيهٌ وَلَا نَظِيرٌ وَلَا مَثِيلٌ وَلَا عَدِيلٌ، وَلَا يَسَعُهُ مَكَانٌ وَلَا يَحْصُرُهُ زَمَانٌ، وَلَا يَخْتَلِجُ فِي الْأَوْهَامِ، وَلَا تُحَصِّلُ مَعْرِفَتَهُ الْأَفْهَامُ وَإِنَّمَا الْأَسْمَاءُ وَالصِّفَاتُ تَقَعُ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ ظَاهِرًا لِخَلْقِهِ؛ فَإِنَّهُ يُرَى وَيُوصَفُ وَيُعْرَفُ، وَلَهُ اسْمٌ وَصِفَةٌ وَصُورَةٌ، وَفِي بُطُونِهِ لَا صِفَةَ تَقَعُ عَلَيْهِ، وَلَا يُوصَفُ بِمَوْصُوفٍ، وَلَا يُقَاسُ بِالْحُرُوفِ، وَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا هُوَ، وَإِنَّهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَأَكْبَرُ مِمَّا نَرَاهُ وَنُعَايِنُهُ".
فَهَذَا مَا كَانَ تَكَلَّمْنَا بِهِ فِي حَضْرَتِكَ -أَسْعَدَ اللَّهُ مَيْمُونَ غُرَّتِكَ- وَسَمِعْتَهُ مِنِّي وَوَعَيْتَهُ عَنِّي، فَمَا أَنْكَرْتَهُ عَلَيَّ وَلَا رَدَدْتَهُ إِلَيَّ.
وَلَمَّا افْتَرَقْنَا وَتَوَجَّهْتَ أَنْتَ نَحْوَ بَلَدِكَ -بَلَّغَكَ اللَّهُ قَصْدَكَ وَدَامَ سَعْدُكَ- بَلَّغَنِي عَنْكَ أَحَدُ إِخْوَانِكَ -عَظَّمَ اللَّهُ شَأْنَهُ وَشَأْنَكَ- أَنَّكَ أَنْكَرْتَ عَلَيَّ هَذَا الْقَوْلَ، وَقُلْتَ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِمَقْبُولٍ وَلَا هُوَ مَعْقُولٌ" وَقُلْتَ: "إِنَّ الْمَعْنَى يَتَنَزَّهُ عَنِ الصُّورَةِ الْبَشَرِيَّةِ الْمُشَاكِلَةِ لِلْبَشَرِ، وَلَا يَجُوزُ تَنْزِيهُهُ عَنِ الصُّورَةِ النُّورَانِيَّةِ الْمُشَاكِلَةِ لِلْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ عَالَمُ النُّورِ، وَلَا يَجُوزُ نَفْيُهَا عَنْهُ، وَإِنَّهُ فِي بُطُونِهِ وَظُهُورِهِ سَوَاءٌ، وَلَيْسَ هُوَ أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِمَّا نَرَاهُ وَنُعَايِنُهُ".




