مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التَّنْبِيهُ فِي مَعْرِفَةِ التَّنْزِيهِ - أَحْمَدُ الْإِسْتِبَارِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 16 من 22

[قِصَّةُ مُوسَى وَالتَّجَلِّي كَدَلِيلٍ عَلَى التَّنْزِيهِ]

وَالشَّاهِدُ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ لَيْسَ لَهُ صُورَةٌ وَلَا صِفَةٌ تُشَاكِلُ أَهْلَ النُّورِ وَالْبَشَرَ، وَأَنَّ ظُهُورَاتِهِ مُخْتَلِفَةٌ بِالظُّهُورِ مُتَّفِقَةٌ بِالْمَعْنَى، وَلَيْسَ كُلُّهَا سَوَاءً، وَلَا تُشَابِهُ بَعْضُهَا بَعْضًا، وَأَنَّهُ أَعْظَمُ وَأَجَلُّ وَأَكْبَرُ مِمَّا نَرَاهُ وَنُعَايِنُهُ؛ [هُوَ] مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي مُخَاطَبَتِهِ لِعَبْدِهِ مُوسَى، وَقَدْ تَجَلَّى لَهُ بِالنُّورِ بِصُورَةِ اللُّطْفِ وَالْجَمَالِ عَلَى قَدْرِ احْتِمَالِهِ، فَشَاهَدَهُ وَعَايَنَهُ وَخَاطَبَهُ.

فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.

وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَدْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

فَشَاهَدَهُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، وَقَرُبَ مِنْهُ وَآنَسَ إِلَيْهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ، فَطَلَبَ مُوسَى أَنْ يَرَاهُ بِصُورَةِ الْقَهْرِ وَالْجَلَالِ؛ فَقَالَ مُوسَى: ﴿رَبِّ أرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾، فَمَنَعَهُ الرَّبُّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ وَلَا يَحْمِلُ مَا طَلَبَ؛ فَقَالَ: ﴿لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكَّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا﴾، فَتَلَاشَى -يَعْنِي مَاتَ هُوَ وَالسَّبْعُونَ نَبِيًّا الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ- ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

فَإِذَا كَانَ هَذَا مُوسَى -اسْمُهُ وَحِجَابُهُ الْمُشْتَقُّ مِنْ نُورِ ذَاتِهِ- لَمْ يَثْبُتْ لِرُؤْيَتِهِ بِالْكَمَالِ إِلَّا عَلَى قَدْرِ مَا اسْتَحَقَّ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهِ؛ فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ أَنْ يَرَاهُ بِصُورَةِ كَمَالِهِ.

فَمَا أَحْسَنَ هَذَا الشَّاهِدَ وَأَوْكَدَ الْحُجَّةَ فِيهِ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْبَارِيَ فِي بُطُونِهِ وَظُهُورِهِ سَوَاءٌ.

الصفحة 16 من 22