مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التَّنْبِيهُ فِي مَعْرِفَةِ التَّنْزِيهِ - أَحْمَدُ الْإِسْتِبَارِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 15 من 22

[اخْتِبَارُ الْمَلَائِكَةِ وَتَغَيُّرُ الصُّوَرِ]

وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ «الْأُسُوسِ»: «إِنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ -وَهُمْ عَالَمُ النُّورِ- فَعَلِمُوا أَنَّهُمْ كُوِّنُوا بَعْدَ إِذْ لَمْ يَكُونُوا، وَأَنَّ لَهُمْ خَالِقًا خَلَقَهُمْ.

فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعَالَوْا نَطْلُبْ رَبَّنَا فَنَعْرِفَهُ وَنُوَحِّدَهُ وَنَمِيلَ إِلَيْهِ بِطَاعَتِنَا، وَكَانَ الرَّبُّ ظَاهِرًا بَيْنَهُمْ مِثْلَهُمْ، فَأَشَارَ مِنْ نَفْسِهِ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: "يَا هُوَ، يَا هُوَ"، فَدَلَّهُمْ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِي تُرِيدُونَهُ وَتَطْلُبُونَهُ فَأَنَا هُوَ، فَأَمْسَكَتِ الْمَلَائِكَةُ عَنِ الْكَلَامِ، فَلَا أَجَابُوا وَلَا أَنْكَرُوا؛ فَلَا قَالُوا: "نَعَمْ، نَعَمْ"، وَلَا قَالُوا: "لَا، لَا".

فَلَمَّا غَيَّرَ عَلَيْهِمُ الصُّورَةَ، وَظَهَرَ لَهُمْ بِالصُّوَرِ الْمُخْتَلِفَةِ: بِصُورَةِ الشَّابِّ الْمُؤْنِقِ، الْمَفْتُولِ السِّبَالِ رَاكِبٍ عَلَى أَسَدٍ مِنْ نُورٍ؛ وَبِصُورَةِ الشَّيْخِ الْأَبْيَضِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ وَذَلِكَ بِالْوَقَارِ وَالرَّحْمَةِ؛ وَبِصُورَةِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ وَأَرَاهُمْ كَيْفَ يُغَذَّى وَكَيْفَ يَنْشَأُ، فَنَظَرَتِ الْمَلَائِكَةُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَقَالُوا: "هَلْ فِيكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِ هَذَا؟"، قَالُوا: "لَا".

فَعِنْدَ ذَلِكَ عَلِمُوا أَنَّهُ خَالِقُهُمْ وَمُكَوِّنُهُمْ، فَحِينَئِذٍ عَرَفُوهُ وَوَحَّدُوهُ وَهَلَّلُوهُ وَكَبَّرُوهُ، وَقَالُوا لَهُ: "أَنْتَ أَنْتَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، اظْهَرْ بِمَا شِئْتَ كَيْفَ شِئْتَ"، وَنَزَّهُوهُ عَنْ أَشْبَاهِهِمْ وَصُوَرِهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ لَمَّا رَأَوْا مِنْهُ الْقُدْرَةَ، وَأَنَّهُ يَقْدِرُ وَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ».

الصفحة 15 من 22