[حِكْمَةُ الانْتِقَالِ وَالنِّسْبَةِ إِلَى المَكَانِ]
ثُمَّ قَالَ الْعَالِمُ: «وَيَبْقَى عَلَيْكَ -أَيُّهَا السَّائِلُ- مَعْرِفَةُ الِانْتِقَالِ وَالنِّسْبَةِ إِلَى الْأَمْكِنَةِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ وَلَا مَكَانَ، وَلَا شَيْءَ مَعَهُ، ثُمَّ خَلَقَ الشَّيْءَ فَهُوَ فِيهِ، وَإِذَا كَانَتْ نِسْبَتُهُ لَا فِي شَيْءٍ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي شَيْءٍ وَأَنْ يُعْرَفَ بِنِسْبَةٍ وَحَرَكَةٍ وَمَكَانٍ وَنُقْلَةٍ.
هَكَذَا جَاءَتِ الْكُتُبُ، وَنَبَّأَتِ الرُّسُلُ الْأَنْبِيَاءُ -عَلَيْهِمُ السَّلَامُ- أَنَّهُ كَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ صَارَ إِلَى الْأَرْضِ؛ فَلَيْسَ يُنْسَبُ إِلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
وَإِنَّ النُّقْلَةَ حِكْمَةٌ، وَأَنْ يُنْسَبَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ أُثْبِتَ فِي الْحِكْمَةِ وَالنَّصَفَةِ لِلْمُخَاطَبَةِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَأَنْ يُعْرَفَ بِنِسْبَةِ الْمَكَانِ».
فَتَأَمَّلْ -أَعَزَّكَ اللَّهُ وَأَكْرَمَكَ، وَإِلَى طَرِيقِ الْخَيْرِ أَلْهَمَكَ- كَيْفَ جَاءَتِ الْكُتُبُ وَنَطَقَتِ الرُّسُلُ، وَكَيْفَ أَثْبَتُوا أَنَّ الْمَعْنَى فِي مَكَانٍ وَنَزَّهُوهُ عَنِ الْمَكَانِ، وَأَثْبَتُوا وَأَوْضَحُوا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ صُورَةٌ لِلظُّهُورِ وَالْمُخَاطَبَةِ، وَنَزَّهُوهُ عَنِ الصُّوَرِ».
[خَلْقُ النُّورِ الظِّلِّيِّ وَالْمُشَاكَلَةُ]
وَذَكَرُوا أَنَّ مَا لَهُ شَبِيهٌ وَلَا نَظِيرٌ وَلَا مَثِيلٌ، وَأَثْبَتُوا أَنَّهُ مَاثَلَ خَلْقَهُ وَإِنَّهُ مُشَاكِلٌ اسْمَهُ.
كَمَا قَالَ فِي كِتَابِ «الْهَفْتِ»؛ قَالَ الْمُفَضَّلُ: «سَأَلْتُ مَوْلَايَ الْعَالِمَ عَزَّ عِزُّهُ، قُلْتُ: سَيِّدِي، فَمَا أَوَّلُ شَيْءٍ خَلَقَهُ اللَّهُ؟»، قَالَ: «النُّورُ الظِّلِّيُّ»، قُلْتُ: «مِمَّا خَلَقَهُ؟»، قَالَ: «مِنْ مَشِيئَتِهِ»، قُلْتُ: «وَعَلَى أَيِّ مِثَالٍ خَلَقَهُ؟»، قَالَ: «عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ، أَلَا تَرَى يَا مُفَضَّلُ إِلَى قَوْلِهِ فِي كِتَابِهِ الْمُنْزَلِ عَلَى نَبِيِّهِ الْمُرْسَلِ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظَّلَّ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا * ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾».
فَأَجَابَ الْمَوْلَى الصَّادِقُ: «إِنَّ الْمَعْنَى مُشَاكِلٌ لِاسْمِهِ، وَخَلَقَهُ عَلَى مِثَالِ صُورَتِهِ».




