مكتبة كتيبة محمّد بن نصير Muhammad bin Nusayr's Library Bibliothèque de Muhammad bin Nusayr کتابخانه کتیبه محمد بن نصیر

مَكْتَبَةُ كَتِيبَةِ مُحَمَّدِ بْنِ نُصَيْرٍ

التَّنْبِيهُ فِي مَعْرِفَةِ التَّنْزِيهِ - أَحْمَدُ الْإِسْتِبَارِيُّ

تصفّح
سحب للأسفل
الصفحة 12 من 22

فَقَالَ: «يَا سَلْمَانُ، كَمْ تَذْكُرُ لِي مِثْلَ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ؟»، فَقَالَ سَلْمَانُ: «يَا مَوْلَايَ، أَذْكُرُكَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ سَمَاءٌ مَبْنِيَّةٌ، وَأَرْضٌ مَدْحِيَّةٌ؛ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ شَمْسٌ وَلَا قَمَرٌ، وَلَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، وَلَا فَلَكٌ يَجْرِي».

يَعْنِي سَلْمَانَ عَلِمَ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى كَانَ قَبْلَ خَلْقِهِ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُشَاهَدَةِ الْمَرْئِيَّةِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَقَدْ قَالَ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ فِي خُطْبَتِهِ: «أَنَا الَّذِي لَا تُقِلُّنِي الْغَبْرَاءُ، وَلَا تُظِلُّنِي الْخَضْرَاءُ»، وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَالَ: «لَا تَسَعُنِي أَرْضٌ وَلَا سَمَاءٌ».

[بَيَانُ نَوْعِ الْبُطُونِ وَالْغَيْبِ الْمَنِيعِ]

وَهَذَا الْكَلَامُ يَدُلُّ عَلَى نَوْعِ الْبُطُونِ، وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى نَوْعِ الظُّهُورِ [فَ]قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِمَامٌ﴾.

تَأَمَّلْ يَا سَيِّدِي -أَسْعَدَكَ اللَّهُ سَعَادَةَ أَوْلِيَائِهِ، وَحَبَاكَ حِبَايَةَ أَصْفِيَائِهِ- كَيْفَ نَزَّهَ نَفْسَهُ بِقَوْلِهِ: «لَا تَسَعُنِي أَرْضٌ وَلَا سَمَاءٌ»، وَذَكَرَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِمَامٌ﴾.

فَأَعْلَمَنَا بِهَذَا الْقَوْلِ الشَّرِيفِ: أَنَّ الصُّورَةَ الَّتِي لَا تَسَعُهَا أَرْضٌ وَلَا سَمَاءٌ هِيَ صِفَةُ الْقِدَمِ وَنَوْعُ الْبُطُونِ وَالْغَيْبُ الْمَنِيعُ؛ يَعْنِي الْمَمْنُوعَ عَنْ خَلْقِهِ أَنْ يَعْرِفُوهُ بِصِفَةِ قِدَمِهِ وَنَوْعِ الْغَيْبِ وَكَمَالِ ذَاتِهِ، وَهِيَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ عَنْهَا: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.

فَعَلِمْنَا أَنَّ الصُّورَةَ الظَّاهِرَ بِهَا لِخَلْقِهِ كَخَلْقِهِ هِيَ الْبَاطِنَةُ، وَهِيَ الْغَيْبُ الْمَنِيعُ، وَهِيَ النَّوْعُ الْقَدِيمُ وَهِيَ الصُّورَةُ النُّورَانِيَّةُ الْمُشَاكِلَةُ لِلْمَلَائِكَةِ، وَهِيَ الصُّورَةُ الْبَشَرِيَّةُ الْمُشَاكِلَةُ لِلْبَشَرِ؛ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ، وَلَا فَاصِلَةٍ، وَلَا تَجَزُّؤٍ، وَلَا تَبْعِيضٍ، وَهِيَ الْجُزْءُ الْأَصَمُّ الَّذِي لَا يَنْقَسِمُ وَلَا يَنْفَصِمُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الصِّفَةِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ إِلَّا بِالنَّظَرِ عَلَى أَعْيُنِ الْبَشَرِ.

الصفحة 12 من 22