[حِكْمَةُ الظُّهُورِ بِالصُّورَةِ الْمُحْدَثَةِ]
فَإِذَا كَانَ هَذَا قَوْلُهُ فِي خَلْقِهِ، فَكَيْفَ لَا يَجُوزُ تَنْزِيهُ الْمَعْنَى عَنِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَالصُّوَرِ الْمَرْئِيَّاتِ الَّتِي مَاثَلَ بِهَا أَهْلَ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَاوَاتِ؟.
وَكَمَا قَالَ فِي كِتَابِ «الْأُسُوسِ»؛ قَالَ السَّائِلُ: «لِمَ لَا يُكَلِّمُ خَلْقَهُ مِنَ الرُّبُوبِيَّةِ الْعُظْمَى؟»، فَأَجَابَ الْعَالِمُ: «لِأَنَّ لَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِمْ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ مِنْهَا»، قَالَ السَّائِلُ: «بِقُدْرَتِهِ؟»، قَالَ الْعَالِمُ: «قُدْرَتُهُ قَدِيمَةٌ وَهُمْ مُحْدَثُونَ؛ لِأَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يَفْهَمُ إِلَّا عَنْ مُحْدَثٍ مِثْلِهِ».
فَأَجَابَ الْعَالِمُ عَزَّ عِزُّهُ: «إِنَّ الصُّورَةَ الَّتِي ظَهَرَ بِهَا وَكَلَّمَ خَلْقَهُ مِنْهَا إِنَّهَا تُسَمَّى مُحْدَثَةً؛ لِقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُحْدَثَ لَا يَفْهَمُ إِلَّا عَنْ مُحْدَثٍ مِثْلِهِ، وَإِنَّهُ فِي بُطُونِهِ لَا صِفَةَ تَقَعُ عَلَيْهِ، وَإِنَّهُ فِي قِدَمِهِ وَقَبْلَ خَلْقِهِ كَانَ بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْمُشَاهَدَةِ الْمَرْئِيَّةِ».
[شَاهِدٌ مِنْ خَبَرِ الْأَعِنَّةِ]
وَأَيْضًا الشَّاهِدُ مِنْ «خَبَرِ الْأَعِنَّةِ»: لَمَّا خَرَجَ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ إِلَى الْجَبَّانَةِ، فَشَاهَدَ أَقْوَامًا نَوَاصِبَ فَتَكَلَّمَ بِالْفَارِسِيَّةِ كَلِمَاتٍ أَشَارَ بِهَا إِلَى وِلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَفِيهِمْ وَاحِدٌ فَهِمَ عَلَيْهِ، وَسَارَعُوا إِلَيْهِ ضَرْبًا حَيْثُ أَتَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ أَخَذَ السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ وَالْأَرْضَ بِشِمَالِهِ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا كَقَابِ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى.
فَقَالَ سَلْمَانُ: «يَا مَوْلَايَ، قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَيْسَ يَوْمَ الْآزِفَةِ» -يَعْنِي لَيْسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَعْنِي لَيْسَ يَوْمَ عَذَابِ إِبْلِيسَ وَشِيعَتِهِ لَعَنَهُمُ اللَّهُ-؛ «لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ هَلَاكُ الضِّدِّ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي إِلَّا وَقْتَ ظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَهْدِيِّ، صَاحِبِ الْعَصْرِ وَالزَّمَانِ، عَلَيْنَا سَلَامُهُ».




